130فقال له قيس بن سعد: رحمك الله يا أميرالمؤمنين! فقد فهمت ما قلت، أما قولك: أخرج إليها بجند، فوالله لئن لم أدخلها إلاّ بجند آتيها به من المدينة لا أدخلها أبداً، فأنا أدع ذلك الجند لك، فإن أنت احتجت إليهم كانوا منك قريباً، وإن أردت أن تبعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا عدةً لك، و أنا أصير إليها بنفسي وأهل بيتي؛ و أما ما أوصيتني به من الرفق والإحسان، فإنّ الله عزّوجلّ هو المستعان على ذلك.
فخرج في سبعة نفر من أصحابه حتى دخل مصر، فصعد المنبر فجلس عليه، و أمر بكتاب معه من أمير المؤمنين فقرئ على أهل مصر، . . . ومما جاء فيه: و قد بعثت إليكم قيس بن سعد بن عبادة أميراً، فوازروه، وكانفوه، و أعينوه على الحق، و قد أمرته بالإحسان إلى محسنكم، والشدة على مريبكم، و الرفق بعوامكم وخواصكم، و هو ممن أرضى هديه، و أرجو صلاحه و نصيحته. . .
ثم إنّ قيس بن سعد قام خطيباً، يدعو الناس للبيعة قائلاً بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد (ص) : ألحمد لله الذي جاء بالحق، وأمات الباطل، وكبت الظالمين؛ أيها الناس! قد بايعنا خير من نعلم بعد محمد نبينا (ص) ، فقوموا أيها الناس فبايعوا على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله (ص) فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا عليكم.
فقام الناس فبايعوا واستقامت له مصر وبعث عليها عماله، إلاّ قرية خربتا (خرنبا، عند ابن الأثير) من قرى مصر لم تبايع، وأهلها كانوا يومئذ عشرة آلاف، قد أعظموا قتل عثمان، فبعث بعض رجالهم إلى قيس: إنّا لانقاتلك فابعث عمالك، فالأرض أرضك، ولكن أقرنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس.
و وثب مسلمة بن مخلد الأنصاري وهو من رهط قيس، فنعى عثمان و دعا إلى الطلب بدمه.
فأرسل إليه قيس: ويحك، علي تثب؟ ! فوالله ما أحب أن لي ملك الشام إلى مصر و أني أقتلك؛ فبعث إليه مسلمة: إني كاف عنك ما دمت أنت والي مصر.
و بما أنّ قيساً كان له حزم و رأي، فبعث إلى الذين بخربتا: أني لا أكرهكم على البيعة، و أن أدعكم و أكف عنكم، فهادنهم وهادن مسلمة بن مخلد، و جبى الخراج، ليس أحد من الناس ينازعه. 1والذي يستظهر من الأخبار أنّ مصر لم تكن واحدةً في موقفها من ولاية قيس، بل من خلافة أمير المؤمنين (ع) ، فهي ساحة قلقة تفرق أهلها بين مواقف شتى، وهو ما نراه جلياً فيما جاء في تاريخ الطبري: و أما قيس بن سعد، فإنه لما انتهى إلى أيلة لقيته خيل، فقالوا: من أنت؟ قال: من فالة عثمان، فأنا أطلب من آوي إليه وأنتصر به، قالوا: من أنت؟ قال: قيس بن سعد، قالوا: امض، فمضى حتى دخل مصر، فافترق أهل مصر فرقاً، فرقة دخلت في الجماعة وكانوا معه، وفرقة وقفت واعتزلت إلى خربتا وقالوا: إن قتل قتلة عثمان فنحن معكم، وإلاّ فنحن على جديلتنا حتى نحرك أو نصيب حاجتنا، وفرقة قالوا: نحن مع علي (ع) ما لم يقد إخواننا، وهم في ذلك مع الجماعة؛ وكتب قيس إلى أمير المؤمنين (ع) بذلك. 2فهي وإن كان أغلب الثائرين على الخليفة عثمان منها، إلاّ أنّ هذا لايعني أنها بلد يطمأن إليه، والأوضاع مستقرة فيه، بل هو كما أوجد معارضين للخليفة الثالث، يمكن أن يوجد معارضين أيضاً لخلافة الإمام علي (ع) ،