131ونظراً لأهمية موقعها ودورها الذي لعبته في الثورة على الخليفة الثالث عثمان، قد تلعب غيره في أي نزاع يحصل، مما يجعلها بؤرة أزمة، ومحل نظرالآخرين ومطامعهم، وبالتالي تحتاج إلى أمير يمسك العصا من وسطها ولو إلى حين، ويدير شؤونها بلباقة وحنكة وصبر وسعة أفق، وبعد نظر، وهو ما تمتع به قيس بن سعد، حتى أنّ الإمام علياً (ع) لما بلغه اضطراب أمرها بعد قيس على محمد بن أبي بكر، قال: لايصلح لمصر إلاّ قيس أو الأشتر، وكان الأشتر بعد صفين قد عاد إلى عمله بالجزيرة، وقال لقيس: أقم عندي على شرطتي حتى تنقضي الحكومة، ثم تسير إلى أذربيجان، وأرسل إلى الأشتر وهو بنصيبين فاستدعاه، وولاّه مصر وكتب له عهداً مشهوراً.
فهذه شهادة من الإمام على ما يتمتع به قيس من قدرات قيادية تنفع في مواطن الأزمات. .
وقد أبان قيس حقيقة موقفه وخطورته برسالتيه للإمام (ع) ؛ الأولى حيث قال:
بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإني أخبر أميرالمؤمنين أكرمه الله أن قبلي رجالاً معتزلين، قد سألوني أن أكف عنهم، وأن أدعهم على حالهم حتى يستقيم أمر الناس، فنرى ويروا رأيهم، فقد رأيت أن أكف عنهم، وألاّ أتعجل حربهم، وأن أتألفهم فيما بين ذلك، لعل الله عزّوجلّ أن يقبل بقلوبهم، ويفرقهم عن ضلالتهم، إن شاء الله.
والرسالة الثانية - لما وصل إليه كتاب الإمام (ع) :
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فسر إلى القوم الذين ذكرت، فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون وإلاّ فناجزهم إن شاء الله» - كتب إليه: أما بعد يا أميرالمؤمنين! فقد عجبت لأمرك، أتأمرني بقتال قوم كافين، مفرغيك لقتال عدوك! وإنك متى حاربتهم ساعدوا عليك عدوك، فأطعني يا أميرالمؤمنين! واكفف عنهم، فإنّ الرأي تركهم، والسلام.
وقيس بموقفه هذا - كما في مواقفه الأخرى - كان بحق من المخلصين لأميرالمؤمنين (ع) ومناصحيه، والصادقين في ولائهم الواعي له كما هو واضح في رسالته الجوابية الثانية لمعاوية والتي تأتينا، فقد استطاع أن يهدئ هذه الجبهة، ويشكل بموقعه هذا خطراً كبيراً على معاوية، حتى ذكر الطبري في تاريخه أنه كان أثقل خلق الله على معاوية؛ لقربه من الشام مخافة أن يقبل علي في أهل العراق، ويقبل إليه قيس بن سعد في أهل البصرة، فيقع معاوية بينهما؛ وهذا الذي يبدو أنه دفع معاوية إلى مراسلة قيس يمنيه، لاستمالته أو على الأقل لتهدئة الأمر بينه وبين قيس، وتطييب الأجواء بعيداً عن الإمام علي (ع) وهو يومئذ بالكوفة وقبل أن يسير إلى صفين.
وهي تدل على شدة خوف معاوية من تولي قيس ولاية مصر، خصوصاً أنّ الحرب لابدّ منها بينه وبين الإمام علي (ع) ، فتقدم بخطوته هذه إلى قيس فلعله يحقق شيئاً ينفعه.
رسالة معاوية:
من معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد، أما بعد، فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمان بن عفان في أثرة رأيتموها، أو ضربة سوط ضربها، أو في شتيمة رجل، أو في تسييره آخر، أو في استعماله الفتى، فإنكم قد علمتم - إن كنتم تعلمون - أنّ دمه لم يكن يحل لكم، فقد ركبتم عظيماً من الأمر، وجئتم