126فإن دل هذا على شيء وهو يدل قطعاً، فإنه يدل على وعي دقيق بالوضع القائم والأحداث التي حصلت، وعلى إلمام بالرؤية الرسالية في الأحداث الجارية وبصيرة بها، مهما تلبست بأغطية هدفها أن تعمي الرؤية عن الحقيقة. . وهو وعي افتقدته طائفة كبيرة من المسلمين، فيما عمت أخرى وصمت غيرها، فآلت الأمور إلى فتنة تركت آثارها السيئة على الساحة يومذاك، بل وعلى الأجيال المتعاقبة. .
إذن فهو صاحب بصيرة في الأمور، ونظرة بعيدة، وذو حزم وحنكة، و قد حظي بهذا باتفاق المؤرخين وإطباقهم، ومن ذلك قوله للإمام علي (ع) :
يا أميرالمؤمنين ما على الأرض أحد أحب إلينا أن يقم فينا منك، لأنك نجمنا الذي نهتدي به، ومفزعنا الذي نصير إليه، ولكن والله لو خليت معاوية للمكر، ليرومن مصر، وليفسدن اليمن، وليطمعن في العراق، ومعه قوم يمانيون قد أشربوا قتل عثمان، وقد اكتفوا بالظن عن العلم، وبالشك عن اليقين، و بالهوى عن الخير، فسر بأهل الحجاز وأهل العراق، ثم أرمه بأمر يضيق فيه خناقه، ويقصر له من نفسه.
فقال: أحسنت والله يا قيس. .
وحين دعاه معاوية لمفارقة علي (ع) و مناه حين تفرق عنه الناس، فكتب إليه كما ينقل الزمخشري: يا وثن ابن وثن! تدعوني إلى مفارقة علي بن أبي طالب والدخول في طاعتك، وتخوفني بتفرق أصحابه عنه، وانثيال الناس عليك وإجفالهم إليك، فوالله الذي لا إله غيره، لاسالمتك أبداً وأنت حربه، ولا دخلت في طاعتك وأنت عدوه، ولا اخترت عدو الله على وليه، و لاحزب الشيطان على حزبه.
ويروى أنه بعد محاججة طويلة جرت بين قيس ومعاوية، وقعت بعد استتباب الأمر لمعاوية، قال قيس في جملتها: ولعمري ما لأحد من الأنصار ولا لقريش، ولا لأحد من العرب والعجم في الخلافة حق مع علي (ع) وولده من بعده، فغضب معاوية وقال: يابن سعد، عمن أخذت هذا وعمن رويته وعمن سمعته؟ أبوك أخبرك وعنه أخذته؟ فقال قيس: سمعته ممن هو خير من أبي، وأعظم علي حقاً من أبي، قال: من؟ قال: علي بن أبي طالب (ع) عالم هذه الأمة وصديقها. .
قالوا فى ولائه:
عرف قيس بحبه وولائه لأهل البيت (عليهم السلام) ، وهو الذي كان في غديرخم يهتف قائلاً:
و علي إمامنا و إمام
وهذا بعض ما قالوه في ذلك:
يقول الميرداماد: هو من خلص أنصار رسول الله (ص) ومن العشرة الذين نصروه. . ومن أصفياء أولياء أميرالمؤمنين (ع) .
فيما قال الفضل بن شاذان: هو من السابقين الذين رجعوا إلى أميرالمؤمنين (ع) وذكر العلامة هذا وأضاف: وهو مشكور، وذكر أنه لم يبايع غير إمامه فيما عرفه إبراهيم الثقفي في كتابه الغارات أنه: من شيعة علي.