114فإذا جعلنا يوم النحر الذي هو العاشر من ذي الحجة واحداً من الثلاثة الواردة في الحديث، فيجوز حينئذ النفر في اليوم الحادي عشر من ذي الحجة وهو اليوم الثاني للعيد، وهو يوافق اليوم الأول من أيام منى الثلاثة الواردة في الحديث، وهو أمر لا خلاف في عدم جوازه.
هذا إضافةً إلى الأخبار والأقوال التي تحدّد أن أَيَّامٍ مَّعْلوماتٍ هي الأيام العشرالأولى من ذي الحجة، و أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ هي أيام منى والتي تسميها الروايات أيام التشريق، والتي هي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة.
المقطع الثالث: (فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى) :
المراد بالتعجل هنا: انصرا ف الحاج من منى في اليوم الثاني من أيام التشريق وهو اليوم الثاني عشر من ذي الحجة، وذلك بعد رميه جمار ذلك اليوم.
وتعجل لغةً: عجل: عجلاً، وعجلةً: أسرع، وفي التنزيل العزيز: عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (25) والعجلة: السرعة، الإِسراع في شيء والمبادرة. . ومنه تعجل: وتعجل فلاناً: حثه. وتعجل الشيء: أخذه بسرعة. . وتعجل: يجوز أن يكون بمعنى استعجل، وهو يأتي بمعنى تفعل واستفعل. . كتكبر واستكبر. . وتيقن واستيقن، وتقضى واستقضى، وتعجل واستعجل. . وتعجل يأتي لازماً ومتعدياً، تقول: تعجلت في الشيء وتعجلته، واستعجلت في الشيء واستعجلت زيداً، وبمعنى الفعل المجرّد فيكون بمعنى: عجل، كقولهم: تلبث بمعنى لبث، وتعجب وعجب، وتبرّ أو برىء، وهو أحد المعاني التي جاء لها تفعل. (26)
وجاء في مجمع البيان للشيخ الطبرسي: المعنى في ذلك الرخصة في جواز النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق، والأفضل أن يقيم إلى النفر الأخير وهو الثالث من التشريق، وإذا نفر في الأول نفر بعد الزوال إلى غروب الشمس فإن غربت فليس له أن ينفر إلى اليوم الثالث.
وقوله: فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ فيه قولان - أحدهما: - أن معناه لا إثم عليه لأن سيئاته صارت مكفرة بما كان من حجّه المبرور، وهو قول ابن مسعود - والثاني: - أن معناه لا إثم عليه في التعجيل والتأخير وإنما نفي الإثم لئلا يتَوهم متوهمٌ أن في التعجيل إثماً، وإنما قال عليه في التأخير على جهة المزاوجة كما يقال: إن أعلنت الصدقة فحسن وإن أسررتَ فحسن وإن كان الإسرار أحسن وأفضل عن الحسن، وقوله: لِمَنِ اتَّقى فيه قولان - أحدهما: - أن الحج يقع مبروراً مُكَفِرّاً للسيئات إذا اتقى ما نهى الله عنه والآخر: ما رواه أصحابنا أن قوله: لِمَنِ اتَّقى ، متعلق بالتعجيل في اليومين، وتقديره فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه لمن اتقى الصيد إلى انقضاء النفر الأخير وما بقي من إحرامه، ومن لم يتقها فلا يجوز النفر في الأول، وهو المروي عن ابن عباس واختاره الفراء.
وقد روي أيضاً عن أبي عبد الله في قوله: فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ أي من مات في هذين اليومين فقد كُفِّرَ عنه كل ذنب ومن تأخر أي من أجله فلا إثم عليه إذا اتقى الكبائر.
وقوله: وَاتَّقُوا الله أي اجتنبوا معاصي الله اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي تحققوا أنكم بعد موتكم تجمعون إلى الموضع الذي يحكم الله فيه بينكم ويجازيكم على أعمالكم.
وعن هذا المقطع يقول البلاغي:
فَمَن تَعَجَّلَ فِى ضمن يَوْمَيْنِ من تعجل الدين أي تعجل مقامه بمنى في ضمن يومين بتعجل غايته فنفر النفر الأول. ولو كان بمنى استعجل وعجل، أو للمطاوعة كما في الكشاف، لدلت الآية على جواز النفر في اليوم الأول منها أيضاً، وهو