115باطل بإجماع المسلمين. ولأجل جعل التعجل في ضمن يومين اشترط أصحابنا وفقهاء أهل السنة، إلا أبا حنيفة وأصحابه، كونه قبل الغروب من اليوم الثاني، فلو أمسى حرم عليه النفر الأول.
فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لهذه الجملة ظاهر لا حاجة إلى بيانه؛ لأن في رواية الكافي عن إسماعيل بن نجيح رد عليه؛ ولأن الأحاديث عن الفريقين جاءت على خلافه وهو أن المراد غفرت ذنوبه. منها صحيحة الحلبي في قوله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ وصحيحة عبد الأعلى ورواية ابن عيينة ورواية ابن نجيح ورواية العياشي عن معاوية ابن عمار وعن ابن عباس في إحدى الروايتين، فيكون حاصل المراد من الآية الكريمة: فمن أتم حجه بالتعجل أو التأخر غفرت ذنوبه، فإنه لا أثر لخصوص عنواني التعجل والتأخر في غفران الذنوب.
ومن هذا الوجه وكون التعجل إتماماً للحج يعرف جوازه وأنه لِمَنِ اتَّقى النساء والصيد كما هو المشهور بين الإمامية، باعتبار الاختصاص بالأمرين المذكورين والمجمع عليه باعتبار الدخول في كل ما يحرم على المحرم كما عن ابن سعيد، أو ما يوجب عليه الكفارة كما عن ابن إدريس وأبي المجد كما ورد في خصوص النساء والصيد صحيحة حماد بن عثمان وروايته الأخرى كما في التهذيب وصحيحة جميل ومعتبرة ابن المستنير عن الصادق (ع) وبه جاءت إحدى روايات الدر المنثور عن ابن عباس، والمراد اتقاء المحرم وما يحرم عليه في حجه مما يكون بين النساء والرجال سواء كان رجلاً أو امرأة.
وهناك روايات أخرى من الفريقين لم يأخذ بمضمونها الإمامية. وعلى ذلك إجماعهم، مضافاً إلى أن قوله تعالى: لِمَن اتَّقى لا يستقيم تفسيره بالتقوى المطلقة بعمومها؛ لأن حصولها إلى حين النفر لا يتفق إلا للمعصوم، فلا يبقى موقعاً للامتنان بغفران الذنوب إذا كان ذلك قيداً له، وكذا لا يبقى مورد للتخفيف على سائر الناس كما يعرف من روايات الفريقين بأجمعها إذا كان قيداً لجواز النفر كما لا يستقيم تفسيره بمطلق حصول التقوى ومصداقها في الماضي، إذ لا فائدة على ذلك في هذا القيد، فإن كل من له حج قد حصل منه مصداق للتقوى، فلا بد من أن يراد بذلك تقوى خاصة وهو ما بينته الروايات المتقدمة، وبالنظر إلى هذا الذي ذكرناه يسقط كثير من الأحاديث. (27)
ويقول الرازي عن هذا المقطع:
أما قوله تعالى: فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى ففيه سؤالات:
السؤال الأول: لم قال فمن تعجل ولم يقل فمن عجل؟ .
الجواب: قال صاحب «الكشاف» : تعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل، يقال: تعجل في الأمر واستعجل، ومتعديين يقال: تعجل الذهاب واستعجله.
السؤال الثاني: قوله: وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فيه إشكال، وذلك لأنه إذا كان قد استوفى كل ما يلزمه في تمام الحج، فما معنى قوله: فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فإن هذا اللفظ إنما يقال في حق المقصّر ولا يقال في حق من أتى بتمام العمل.
والجواب من وجوه:
أحدها: أنه تعالى لما أذن في التعجل على سبيل الرخصة احتمل أن يخطر ببال قوم أن من لم يجر على موجب هذه الرخصة فإنه يأثم، ألا ترى أن أبا حنيفة رضي الله عنه يقول: القصرعزيمة، والإتمام غير جائز، فلما كان هذا الإحتمال قائماً، لا جرم أزال الله تعالى هذه الشبهة وبين أنه لا إثم في الأمرين، فإن شاء استعجل وجرى على موجب الرخصة، وإن شاء لم يستعجل ولم يجر على موجب الرخصة، ولا إثم عليه في الأمرين جميعاً.