280النصوح والعهد القاطع ألا يعود إلى المعصية.
موقف عرفة وازدحام الناس فيه أعظم مشاهد الحج ومناسكه، ففي ذلك الموقف بازدحام الخلق فيه، وارتفاع أصواتهم، واختلاف لغاتهم مع اتحاد لباسهم وزيهم، يتذكر المسلم عرصات القيامة ووقوف الأمم مع أنبيائهم، واتباع كل أمة نبيها، طامعين في شفاعتهم، متحيرين بين الرد والقبول، أمم متعددة الألوان والألسنة جاؤوا من كل فج عميق، يبتهلون إلى الله عز وجل شعثاً غبراً، تجردت قلوبهم وأجسامهم من زينة الدنيا، وامتدت أعناقهم وأيديهم، وشخصت أبصارهم إلى خالقهم العظيم سبحانه الذي تجلى عليهم في ذلك الموقف، يباهي بهم ملائكته ويشهدهم أنه جل شأنه غفر لأهل الموقف.
في هذا الجو الروحي الذي لا يمكن أن تكون السماء الأقرب إلى الأرض في موضع سواه، تنكشف الهواجس عن صاحب النفس اللوامة شيئاً فشيئاً فيحس بنسيم منعش يداعب صفحة وجهه، ويدب إلى رئتيه فينشرح صدره، فإذا آنس ذلك من نفسه أحس أن طوراً ثقيلاً كان يجثم على صدره، راح يتزحزح شيئاً فشيئاً، ومع مواصلة التفرغ والخشية يتخفف الحاج من أوزاره وأثقاله ليرجع كيوم ولدته أمه حتى إذا انشرح وثب من مكانه ظافراً منتصراً فقد هزم إبليس وجنده، وهزم أشباح المعصية في حياته، ويلح في الدعاء موقناً بالآية الكريمة، قال الله تعالى: اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ 1 .
فيشعر الحاج بالراحة النفسية التي عجزت نظريات الطب وعلم النفس عن منحها للعصاة المذنبين فلا عجب أن نسمع دعوات علماء الاجتماع والصحة النفسية إلى