289كلّ النصوص التاريخية والسّيَر والمغازي تحدّثت عن غضب واعتراض عددٍ من أصحاب الرسول صلى الله عليه و آله ، عندما كانوا يرون تصرّفه الرحيم في الردّ على عنف وظلم سادة قريش ، وما لم يذكر في هذه النصوص تلك الأبعاد العميقة لبطولة السلام والأخلاق المحمدية .
وأشير هنا إلى بُعدٍ من أبعاد الفتح المبين لا يكمن في البُعد الظاهريالذي اهتمّ به كتّاب التاريخ حول فتح مكة ، من دون الالتفات إلى نتائج صلح الحديبية .
فإذا توقفنا قليلاً أمام الأحداث المختلفة لما بعد هذه البطولة العظيمة ، ندرك أن أبرز نصرٍ في تاريخ الإسلام قد تحقّق بمعجزة الأخلاق لا بحدّ السيف ، ونرى أن أبرز رجال السياسة والسيف قد التحقوا بمعسكر الرسول بعد صلح الحديبية ، كإسلام خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص - بعد مدةٍ قصيرة منه - وهو تعبير عن أن معجزة الأخلاق هي التي نزعت أسلحة العدو .
ولأنّه لا يمكن في هذه العجالة أن نستفيض في الحديث عن هذه البطولة التاريخية والمصيرية كما يجب ، سأشير إلى نقطة من السيرة النبوية أعتبرها رمزاً لهذه البطولة ، لكن قبل ذلك لا بد من التطرّق إلى نقصٍ آخر في كتابة السيرة هو:
عدم اهتمام كتّاب السيرة بالمصادر القرآنية
الكبار الذين بذلوا جهوداً للكتابة حول السيرة النبوية وتركوا لنا آثاراً قيمة ، كأنّهم أغفلوا أكثر المصادر ثقةً في هذا المجال ، لقد وجدت أكثر من مئتي آية في القرآن الكريم ، كل واحدةٍ منها تغطّي مجالاً من السيرة النبوية ، وأذكر هنا أنموذجاً يدعم بطولة صلح الحديبية الخالدة: