290
«وَ لاٰ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَدٰاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَ مٰا يُلَقّٰاهٰا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَ مٰا يُلَقّٰاهٰا إِلاّٰ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ » 1.
فبلا شك ، هذه الآيات تتضمّن أحد أبعاد المنطق الحاكم على سلوك الرسول صلى الله عليه و آله ، أية ردّة فعلٍ هي أفضل في مواجهة السيئة؟ ثورةٌ بعيدة عن التصور تسقط بيد العدو ، فإذا اهتممنا بسلوك رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله انطلاقاً من هذه الآيات التي تزيد على المائتين ، والمتعلّقة بالسيرة النبوية ، فإنّنا سنجد نماذج على ذلك .
في الآيتين السالفتين ، نجد علاقةً بين معجزة الأخلاق وبين الاستثمار ، فالاستثمار في الأدبيات الحديثة من المقولات الاقتصادية ، أي الحديث عن الاستفادة من مصادر مثل الأرض والماء والطاقات المختلفة ، وقمّته ما نراه ، في إعادة إنتاج الطاقة الملوّثة ، لكن هاتين الآيتين تتحدّثان عن الاستثمار البعيد عن التوقع والذي فيه حظّ عظيم ، أي تبديل العداوة إلى صداقة ورحمة ، خلخلة مركز الحرب وإسعار النار وتحويله إلى مركز للبناء .
صلح الحديبية ، أنموذج واضح لمثل هذه المعجزة في تاريخ مكة؛ فمعجزة الأخلاق كانت الردّ الأفضل على السيئات والقلوب المريضة بالتعصّب والعداوة نحو الإسلام ورسول الرحمة ، وتبديلها إلى مركز للحب؛ وإسلام خالد بن الوليد وعمرو بن العاص شهادة واضحة على هذا الواقع؛ فخالد صاحب السيف الذي هزم جيش الإسلام في معركة(أحد)، وأنزل أشدّ الألم والجراح على قلب الرسول صلى الله عليه و آله وأصحابه ، لكنّه تحوّل إلى قائد فدائي في خدمة الإسلام بمعجزة الأخلاق .