229
النسل الجديد !
وكانت رحلة إبراهيم عليه السلام من العراق إلى مكة والوقائع التي وقعت هنا بعد مجيئه خطة إلهية عظيمة الشأن بدأ تنفيذها قبل نحو 2500 سنة ، وخلاصة هذه الخطة أن الشرك كان قد غلب على الفكر البشري منذ نحو خمسة آلاف سنة؛ لدرجة أن شعبة ما من شعب الحياة لم تكن تخلو من أثر الشرك ، واستمر هذا الحال جيلاً بعد جيل ، وكانت النتيجة أن قام تسلسل فكري للشرك عبر الأجيال المتعاقبة . وكل مولود في تلك الأزمنة كان يرث عقلية الشرك وينشأ عليها ، وهذا هو السبب في أن نداء الأنبياء بالتوحيد لم يكن يؤثر فيهم كثيراً .
وهنا وضع اللّٰه تعالى خطة لكي ينشأ نسل جديد من البشر بعيدًا عن مؤثرات بيئة الشرك؛ لكي يفكر بعيدًا عن تسلسل الشرك الفكري . . وكان أنسب شي لهذا مكانًا غير مأهول ، وبعيد عن المستوطنات البشرية . ولذلك اختيرت لهذا الغرض بلاد العرب الصحراوية المجدبة التي كانت منقطعة عن العالم المأهول حينذاك .
والإنسان الأول المطلوب لإنشاء نسل جديد في هذه المنطقة الصحراوية الجدباء هو من يكون مستعدًا ليسكن فيها ، مدركًا أنه قد يدفع حياته ثمن العيش بها ، وهنا رأى إبراهيم رؤيا بأنه «ينحر» ابنه . . وكان المقصود من هذا هو التأكد مما إذا كان إبراهيم مستعدًا لكي ينضم إلى الخطة الإلهية بحيث يذهب بولده ويسكنه هناك حيث لا شي غير الجبال المجدبة وصحاري الرمال . . فكان السكن في الحجاز حينئذ مرادفًا للسكن في وادي الموت .
وقد ظلّ الحجاز غير مسكون في الأزمنة الغابرة لفقدانه الماء والخضرة .
وكان الحجاز القديم خاليًا من آثار حضارة الشرك؛ لأنه كان خاليًا من وسائل الحياة . وهذه الخاصية التي أخلت الحجاز القديم من المشركين هي التي أهّلته لكي يُعَدّ به نسل جديد من الموحّدين ، وكان وضع إبراهيم المدية على حلقوم ابنه