213دافقًا . . إنه بئر زمزم . . زمزم الميمون . . زمزم المبارك . . النبع الطاهر . . الرحيق الحلو . . الدواء الشافي؛ ليعرف الناس أن اللّٰه تعالى لا ينسى مخلوقاته . . وأن الفرج بعد الضيق . . وأن مع العسر يسراً :
« وَ مَنْ يَتَّقِ اللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاٰ يَحْتَسِبُ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللّٰهَ بٰالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللّٰهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً» .
وانها عرفات!
وفي الموكب الإلهي . . وفي الركب الروحاني . . وفي مسيرة الإيمان . . يتوجه الحجاج بين الزحام المتكاثف . . وسط الجموع الصاخبة . . وخلال الكتل الزاحفة قاصدين عرفات . . متجرّدين من ملابسهم ، اللهم إلا من إزار ورداء أبيضين يتساوى فيهما الغني ذو المال الوافر والجاه العريض . . بالفقير والمسكين ليتذكروا جميعًا ذلك الكفن الذي يلُفّهم عند وداعهم الأخير . . وكما قال عيسى عليه السلام : «يا أيها الناس لقد جئتم إلى الدنيا وأنتم عراة ، وستخرجون منها وأنتم عراة» .
إن هذا الزحام المائج يذكرهم كذلك بيوم الحشر وما فيه . . «يَوْمَ لاٰ يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لاٰ بَنُونَ إِلاّٰ مَنْ أَتَى اللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ » . . في عرفات تذوب الطبقية . . وتتلاشى التفرقة . . وتتجسّد المساواة الحقة . . المساواة الصادقة . . المساواة الخالية من كل تكلف أو خداع . . المساواة التي فقدت في العالم المتحضر . . وضاعت في دنيا المدنية الزائفة . .
عند الصعود إلى عرفات . . يتسابق الحجاج ويتنافسون . . يتسابقون إلى ربهم . . ويتنافسون في كسب رضاه . . للّٰهدرّك يا عرفات . . فيك ينسى المؤمن الدنيا وما فيها من متاع . . ويهجر الحياة بما تحويه من ترف وملذات . . لا يهمّه لفح الهجير . . أو وهج الشمس . . ولا يمنعه شدة برد . . أو هطول مطر؛ لأنه خرج من نطاق البشرية إلى رحاب الروحانية؛ لأنه انسلخ من المادية إلى عالم المعنويات؛ لأنه تجرد من تربيته ليصعد إلى الملأ الأعلى . . الملائكة . . وينتظم في صفوف