114
ويحاول شريعتي صياغة «فلسفة تاريخ» محورها حركة الأنبياء، وإبراهيم خاصة، وتجربته الإيمانية العميقة، وطبيعة المنعطفات الهامة في حياته، لاسيما الحقبة المكية منها، التي تضافرت جهوده فيها مع زوجه هاجر، وولده إسماعيل.
البيئة الثقافية لشريعتي
ولد شريعتي في قرية «مزينان» التابعة لمدينة مشهد في خراسان سنة 1933. وخراسان بحكم موقعها الجغرافي، وتاريخها، والسياقات الثقافية والاجتماعية لها، بمثابة عالم مصغر للحياة الدينية في إيران.
أن الحج مرآة يتجلى فيها تاريخ الإنسان، عبر ممثلين تنتخبهم السماء، بدءاً بآدم، وإبراهيم وإسماعيل، ثمّ محمد عليهم السلام
أما والد شريعتي فهو محمد تقي، أحد أساتذة التيار الاسلامي المستنير في إيران. انخرط شريعتي الأب في الحوزة العلمية في مشهد سنة 1928، وعمل فيما بعد معلّماً في مدارسها الثانوية. واهتم بتأسيس منتدى ثقافي إسلامي، يعنى باحتضان الشباب ورعايتهم، وتعليمهم حقائق الإسلام، ويتلمس لهم سبل مواءمة الإسلام مع العصر، والتغلب على الإشكالات، والإجابة عن مايتوالد لديهم من أسئلة لاهوتية جديدة، لم يألفها علم الكلام أوالفقه من قبل.
وقد تمحور حول محمد تقي شريعتي نخبة من الشباب، ممن كانوا يدرسون في الجامعة والحوزة العلمية في مشهد، وطفقوا يبحثون عن معلم أومرشد ينفتح على أفكارهم، ولا تستفزه استفهاماتهم، ولا تفزعه رؤاهم النقدية للتراث والواقع. فكان شريعتي الأب يحاول أن يصغي إليهم باهتمام، ويقدم لهم تفسيراً للقرآن، لايكرر آراء السلف، ويوظف بعض مكاسب العلم الحديث في استنطاق النص، ويسعى لوصل الواقع بالقرآن، والقرآن بالواقع، متجاوزاً ماراكمه المفسرون من قطيعة بينهما، بعد إغراق المفسرين مصنفاتهم بمباحث لغوية