245سكناً ومأوى لهم بعد أن طردهم نبوخذنصر من الشام وشتّت جمعهم، وراح يلاحقهم حتى لم يجدوا في الأرض مأمناً إلّايثرب، فسكنوا فيها، واتّسعت تجارتهم وقويت فيها شوكتهم، ولكنّ قلوبهم لم تطهر وكأنّها أورثت التآمر والحقد على غيرهم من طوائف الناس.
وما أن حلّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله في المدينة بعد هجرته إليها من مكّة حتّى راح يبني دولته وأُسسها مستعيناً باللّٰه تعالى وبالمؤمنين من المهاجرين والأنصار، وبما أنّه كان مدركاً وعارفاً بتركيبة مجتمع يثرب، التي كان اليهود بطوائفهم (بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة) يشكّلون دوراً مهمّاً فيها خاصّة بجانبها الاقتصادي، فقد وادعهم متعهّداً باحترام عقائدهم وحرّية عباداتهم وشعائرهم، وترك لهم فرص العمل - كغيرهم - بأمن وسلام. . . ما داموا موادعين مسالمين لا يهجمون على مسلم ولا ينصرون عدوّاً للمسلمين، ولا يعكّرون أمناً ولا يسيئون إلى جوار. . . إلّاأنّ بغضهم وحقدهم ونفوسهم الأمّارة بالسوء، كلّ هذا وغيره شجّعهم على نقض العهد مع الرسول صلى الله عليه و آله، وراحوا يحرّضون على قتال المسلمين ويتعاونون مع المنافقين والمشركين، ويقدّمون إليهم ما يحتاجونه لتقويض الدولة الفتيّة، التي راح نبيّ اللّٰه يبنيها بجهود أصحابه وأتباعه، فما كان من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله إلّاأن أجلا بني النضير وبني قينقاع عن قراهم فذهب جمع منهم إلى منطقة أدرعات، فيما ذهب آخرون منهم إلى خيبر، وقد اكتفى الرسول صلى الله عليه و آله بهذا الإجراء؛ لأنّ خيانتهم لم ترتقِ إلى أكثر من هذه العقوبة.
أمّا بنو قريظة، فكان لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله معهم أمر آخر وحكم أشدّ؛ لعظم خيانتهم التي كلّفتهم حياتهم.