104ولعلّ السرّ - واللّٰه أعلم - أنّه في مبدأ الإسلام كانت زيارة القبور وتذكار الموتى والقتلى، باعثاً على الجبن عن الجهاد، حتّى إذا قوي الإسلام أمرهم بها.
ونحو ذلك في خبر آخر.
وعن أبي هريرة، أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله زار قبر أُمّه، ولم يستغفر لها، قال: أُمرتُ بالزيارة، ونهيتُ عن الاستغفار، فزوروا القبور، فإنّها تذكّر الموت 1.
وعن بريدة أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله كان إذا خرج إلى المقابر، قال: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين» ، رواه مسلم 2.
وعن عائشة أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله كان يخرج إلى البقيع آخر الليل، فيقول: السلام عليكم. . . (الخبر) ، رواه مسلم 3.
وكيف كان، فالأخبار متظافرة على زيارة القبور، ولا حاجة لنقل جميعها.
وفيما ورد من أنَّ حرمة المسلم ميّتاً كحرمته حيّاً دلالة على ذلك، وزيارة النبيّ صلى الله عليه و آله، والصحابة لقبور الشهداء أوضح من الشمس في رابعة النهار.
الباب الثالث: في التبرّك بالقبور ونحوها
اختلف العلماء من أهل السنّة والجماعة في جواز التبرّك بالقبور، فمنهم: من أجازه على كراهة.
قال النووي: لا يجوز أنْ يُطاف بقبر النبيّ صلى الله عليه و آله، ويكره إلصاق البطن والظهر به. قال: ويكره مسّهُ باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد عنه، كما لو حضر في حياته.
وكلامه ظاهرٌ في أنَّ المسّ أبعد من التعظيم، وشبهة العبودية.
وذكر ابن عساكر في (تُحَفِهِ) ، عن ابن عمر أنّه كان يكره مسّ قبر النبيّ صلى الله عليه و آله.
ويظهر من بعضهم ندبه واستحبابه.