93
رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ 1.
جاءوا إلى هذه البقاع وقد قطعوا آلاف الأميال جوّاً وبرّاً وبحراً، كم هو عظيم أثر العقيدة على النفوس! وليس هناك أقوى منها تأثيراً على القلوب وصياغةً للأرواح!
وعندئذٍ يلتفت كلّ واحد وكلّ جماعة منهم إلى أنّهم بتلبيتهم هذه اخوة يدفعهم أذان واحد وعقيدة واحدة، وأنّ الذي باعد بينهم هو الحدود التي رسمتها الأنانيات والأطماع.
يقول سيّد قطب: والحجّ مؤتمر جامع للمسلمين كافّة، مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُم الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا . . 2. .
يجدون محورهم الذي يشدّهم جميعاً؛ هذه القبلة التي يتوجّهون إليها جميعاً ويلتفّون عليها جميعاً، ويجدون رايتهم التي يفيئون إليها، راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلّها فوارق الأجناس والألوان والأوطان. . ويجدون قوّتهم التي قد ينسونها حيناً، قوّة التجمّع والتوحّد والترابط الذي يضمّ الملايين، الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدّد. . راية العقيدة والتوحيد 3.
فالحجّ إذن تربية صالحة للجسم والروح، ودورة إيمانية وأخلاقية لسلوك الإنسان المسلم، تتهذّب فيها أخلاقه، ويسمو فيها سلوكه، ويتعوّد الاُلفة مع الآخرين وإن اختلفوا عنه، فتنمو في نفسه الروح الاجتماعية والتفاعل بشكل رائع وبأرقى درجاته وأجلى مراتبه.