120النفس تأتيها في الجاهلية، حتّى يخلص القلب للتصوّر الجديد بكلّ ما يقتضيه. .
فلمّا أن تمّ هذا في نفوس الجماعة المسلمة أخذ الإسلام يقرِّر ما يريد الإبقاء عليه من الشعائر الأولى ممّا لا يرى فيه بأساً، ولكن يربطه بعروة الإسلام بعد أن نزعه وقطعه من أصله الجاهلي، فإذا أتاه المسلم، فلا يأتيه لأنّه كان يفعله في الجاهلية، ولكن لأنّه شعيرة من شعائر الإسلام، تستمدّ أصلها من الإسلام .
وهنا - والقول ما زال لسيّد قطب - نجد مثالاً من هذا المنهج التربوي العميق، إذ يبدأ القرآن بتقرير أنّ الصفا والمروة من شعائر اللّٰه إنّ الصفا والمروة من شعائر اللّٰه. . .
فإذا اطوف بهما مطوف، فإنّما يؤدّي شعيرة من شعائر اللّٰه، وإنّما يقصد بالطواف بينهما إلى اللّٰه، ولقد انقطع ما بين هذا الطواف الجديد وطواف الجاهلية الموروث، وتعلّق الأمر باللّٰه - سبحانه - لا بأساف ونائلة وغيرهما من أصنام الجاهلية!
ومن ثمّ فلا حرج ولا تأثم، فالأمر غير الأمر، والاتجاه غير الاتجاه 1. . .
إذن فبقراءة أسباب النزول المذكورة على التنافي في مضامينها وما تذكره من أسباب نعرف أنّ هذه الآية جاءت لتدفع ما وقع به بعض المسلمين من أنّ هذه الشعيرة باتت بعيدةً عن المنهج السليم للإيمان وبالتالي فهي إن وقعت فلا مناص من أنّها امتداد واضح لأجواء الجاهلية وما يعبد فيها من أوثان. . فاجتثّت هذه الآية هذا التصوّر، ولم تكتفِ بذلك بل وضعت هذا المنسك في مكانته من العقيدة الإسلامية والشريعة المقدّسة، وأنّه ليس خارجاً عنهما أو هو شيء طارئ لا أساس له شرعي وتأريخي وإنّما هو نسكٌ ربّاني إبراهيميّ. . وركّزت في الأذهان - أيضاً أنّ خلوّ هذا المكان من الأصنام بل مع وجودها لا يضرّ أبداً بطهارة هذه الفريضة وشرعيتها، وأنّ العبادة ما دامت نابعة من الارتباط باللّٰه وتؤدّى للّٰهفقط دون غيره، وقائمة على اُسس وضوابط شرعية فلا يحجبها عن القبول شيء