119عرضت لهم شبهة وإن كانت في بدايتها ذات دوافع إيمانية صادقة، إلّاأنّها كادت أن تتوسّع وتترك آثارها على الجماعة المسلمة فيما لو تركت دون معالجة ومعالجة حاسمة، وخير دليل على هذا الموقف القرآني عبر آية جاءت لتؤكّد بقوّة هذا المنسك ثمّ ترفع الحرج وأخيراً ترغب في الإكثار منه حتّى لا تكون مادّة يستغلّها الأعداء ومَن في قلوبهم مرض. . .
عن التحرّج هذا، يقول سيّد قطب: كان هذا التحرّج ثمرة التعليم الطويل، ووضوح التصوّر الإيماني في نفوسهم، هذا الوضوح الذي يجعلهم يتحرّزون ويتوجسّون من كلّ أمر كانوا يزاولونه في الجاهلية، إذ أصبحت نفوسهم من الحسّاسية في هذه الناحية بحيث تفزع من كلّ ما كان في الجاهلية، وتتوجّس أن يكون منهيّاً عنه في الإسلام، الأمر الذي ظهر بوضوح في مناسبات كثيرة. .
ثمّ راح سيّد قطب يواصل حديثه عن بواعث هذه الظاهرة ودور العقيدة الإسلامية والرسول صلى الله عليه و آله فيها قائلاً:
كانت الدعوة الجديدة قد هزّت أرواحهم هزّاً وتغلغلت فيها إلى الأعماق، فأحدثت فيها انقلاباً نفسيّاً وشعوريّاً كاملاً، حتّى لينظرون بجفوة وتحرّز إلى ماضيهم في الجاهلية، ويحسّون أنّ هذا شطر من حياتهم قد انفصلوا عنه انفصالاً كاملاً، فلم يعد منهم، ولم يعودوا منه، وعاد دنساً ورجساً يتحرّزون من الإلمام به!
وإنّ المتابع لسيرة هذه الفترة الأخيرة في حياة القوم ليحسّ بقوّة أثر هذه العقيدة العجيب في تلك النفوس، يحسّ التغيّر الكامل في تصوّرهم للحياة؛ حتّى لكأنّ الرسول صلى الله عليه و آله قد أمسك بهذه النفوس فهزّها هزّةً نفضت عنها كلّ رواسبها، وأعادت تأليف ذرّاتها على نسق جديد، كما تصنع الهزة الكهربية في تأليف ذرّات الأجسام على نسق آخر غير الذي كان!
وهذا هو الإسلام. . هذا هو: انسلاخاً كاملاً عن كلّ ما في الجاهلية، وتحرّجاً بالغاً من كلّ أمر من اُمور الجاهلية، وحذراً دائماً من كلّ شعور وكلّ حركة كانت