111والهرولة بين يديه المباركتين متوكّلاً عليه تائباً لائذاً به متوسلاً سائلاً ما ينجيه من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. .
هاهي اُمنية إبراهيم تتحقّق، وها هو الماء الذي ستهوي إليه الأفئدة. . وها هو المكان الذي سيكون منبعَ خير وعطاء ورحمة للعالمين.
فحقّقت سيدتنا هذه شعيرة كانت ولا زالت من شعائر اللّٰه تعالى، وأصبح سعيها بين هذين الجبلين منسكاً عظيماً من مناسك فريضة الحجّ التي أوجبها اللّٰه تعالى على عباده المؤمنين، واحتلّت بذلك مكاناً مرموقاً في التشريع الإسلامي، وغدا ذا دلالات كبيرة ومعانٍ جمة، فراح الحجيج بمجموعهم يحذون حذوها، يسعون سعيها، يتذكّرون معاناة هذه المرأة التي دخلت التاريخ الإنساني والديني، وهي تعلو تلك الصخور الجرداء الملساء وتشقّ صعاب ذلك الوادي الأجرد الخالي من كلّ مقوّمات الحياة، في لفحة شمسٍ شديدة ورمالٍ ملتهبة وجوًى يلمّ بقلبها على وليدها الذي تركته غير بعيد، يعتصر قلبه عطش مرير، وهو في رمقه الأخير. .
لم تكن تعلم أنّ جهدها هذا ومعاناتها وتعبها وقلقها وخوفها سيكون يوماً منسكاً يُتعبّد به في عبادة يهفو لها جميع المسلمين من كلّ فجٍّ عميق وواجباً وركناً ينهدم به الحجّ إن لم يؤتَ به. .
فليس هناك ريب في أنّ السعي الذي سعته هاجر بين جبلي الصفا والمروة بأشواطه السبعة منسك من مناسك فريضة الحجّ عند جميع المسلمين وواجب من واجباتها وركن من أركانها التي هي: (النيّة، الإحرام، الوقوف بعرفة، الوقوف بالمشعر، الطواف، السعي) يبطل الحجّ بترك واحد منها، وهو ركن أيضاً في العمرة سواء أكانت عمرة التمتّع بالحجّ، أو في العمرة المفردة، ويشكّل واحداً من أركانهما الأربعة (النيّة، الإحرام، الطواف، السعي) ، يبطل الحجّ وتبطل العمرتان المذكورتان بالترك العمدي لأيّ من هذه الأركان بما فيها السعي الذي نحن بصدده.