162المعسكرين قائلاً: «ويحكم! بعد الرضا والعهد والميثاق أرجع؟ أوليس اللّٰه يقول: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللّٰهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللّٰهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّٰهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (97) .
إلّا أنّهم لم يصغوا إلى توجيهات الإمام عليه السلام، ورغم هذا. . لم يوصد الإمام عليه السلام باب المحاججة في وجوههم، ولم يعلن الحرب عليهم. . بل نجده يفسح المجال لحوار مفتوح بينه وبين خصومه السياسيين، وهذا «الخريت بن راشد الناجي» (وكان قدم مع ثلاثمائة من عمومته من البصرة، وكانوا قد خرجوا إلى الإمام عليه السلام يوم الجمل، وشهدوا معه صفّين) . . أقبل الخريت إلى الإمام في جمع من أصحابه، حتىٰ قام بين يديه، فقال له: «واللّٰه يا علي لا أطيع أمرك، ولا أصلّي خلفك، وإنّي غداً لمفارقك» .
بهذا الكلام أعلن هذا الرجل انخلاعه عن البيعة رسمياً (98) فلم يعتقله الإمام، ولم يأمر بإعدامه، ولم ينهه عن التحدّث بهذا الاسلوب، بل قال له:
«ثكلتك اُمّك إذن تنقض عهدك، وتعصي ربّك، ولا تضرّ إلّانفسك. . أخبرني لِمَ تفعل ذلك؟ !
قال: لأنّك حكّمتَ في الكتاب، وضعفتَ عن الحقّ إذْ جدّ الجدّ، وركنتَ إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم، فأنا عليك راد وعليهم ناقم ولكم جميعاً مباين.
فماذا كان جواب الإمام علي عليه السلام لهذا «المعارض» العنيف ولكلامه الناقد الصريح؟ هل رفع عليه السلام العصا أو السيف في وجهه؟ كلّا، بل قال له مرّة أُخرىٰ بكلّ هدوء: «ويحك. . هلمّ إليّ أدارسك وأُناظرك في السنن واُفاتحك أموراً من الحقّ أنا أعلم بها منك فلعلّك تعرف ما أنت له منكر، وتبصر ما أنت الآن عنه عمٍ وبه جاهل» .
فقال الخريت: «فإنّي غاد عليك غداً» . . فقال الإمام: «اغدُ ولا يستهوينّك الشيطان ولا يقتحمنّ بك رأي السوء، ولا يستخفنّك الجهلاء الذين لا يعلمون، فواللّٰه إن استرشدتني واستنصحتني وقبلت مني لأهدينّك سبيل الرشاد» . بيد أنّ