161
مع المارقين
والخوارج هم الذين كانوا أصحاب الإمام عليه السلام وأنصاره في الجمل وصفّين قبل التحكيم (94) ثمّ أنكروا التحكيم الذي وقع يوم صفّين، وقالوا: «لا حكم إلّا للّٰه» ، وتحت هذه اللافتة العريضة التي وصفها الإمام عليه السلام بأنّها كلمة حقّ يُراد بها باطل. . انبثقت ظاهرة خطيرة ولا سابقة لها في المجتمع الإسلامي، تلك هي تكفير كلّ من ارتضى التحكيم، رغم أن أقطابهم كانوا في مقدّمة أولئك الذين فرضوا التحكيم! ، ولعلّنا نتحسّس اليوم بصماتهم لدىٰ بعض الجهات التي تبيح دماء المسلمين وتسير علىٰ خطىٰ هذا النهج التكفيري.
فالخوارج الذين تحوّلوا إلىٰ مذهب ديني - سياسي لاحقاً، كانوا طائفة من جيش الإمام عليه السلام تمرّدت عليه بعد واقعة التحكيم. وبهذا فهم معارضة فكرية - سياسية، طالبوا بالتحكيم أوّلاً، ثمّ رفضوه لاحقاً، ثمّ جاؤوا يكفّرون الحاكم والمحكومين الذين قبلوا التحكيم بسبب ضغطهم وإلحاحهم. إنّهم بكلّ صراحة حَمَلة فكر ديني ذي مشروع سياسي يعارض شرعية الدولة (95) .
فالخوارج إذن يتّسمون بخصوصية فكرية يفتقرها الآخرون، وإنْ كانت هذه الخصوصية لا تحول دون القدح في توجّهاتهم، بيد أنّ هذه النقطة بالذات كانت موضع تقييم خاص من لدن الإمام عليه السلام إذ يقول: «ليس مَنْ طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه» ، وهو بصدد النهي عن مقاتلة الخوارج (96) .
وبظهور نتائج التحكيم نادت الخوارج معلنة مبرّرات خروجها تحت شعار: «لا حَكَم إلّااللّٰه، لا نرضىٰ بأن تحكم الرجال في دين اللّٰه، قد أمضىٰ اللّٰه حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يدخلوا معنا في حكمنا عليهم، وقد كانت منّا خطيئة وزلّة حين رضينا بالحكمين، وقد تبنا إلى ربّنا، ورجعنا عن ذلك، فارجع - يقصدون الإمام عليه السلام - كما رجعنا، وإلّا فنحن منك براء» .
بيد أنّ الإمام عليه السلام أوضح لهم حينئذٍ أنّ الخُلق الإسلامي يقتضي الوفاء بالعهد - الهدنة لمدّة عام - الذي أُبرم بين