160دماء المسلمين ويصونهم من التمزّق، ويدرأ التصدّع عن صفّهم، فقد طلب من معاوية أن ينازله إلىٰ ميدان القتال فيتقاتلا دون الناس لكي تكون إمامة الأمّة لمن يغلب: «يا معاوية علام يقتتل الناس؟ ابرز إليَّ ودع الناس، فيكون الأمر لمن غلب» .
إلّا أنّ معاوية رفض ذلك خوفاً من الإمام عليه السلام. .
ولمّا لم تلقَ محاولات الإمام عليه السلام لرأب الصدع - الذي أوجده معاوية في صفّ الأمّة - استجابة، تفجّر الموقف بحرب واسعة النطاق. . وحين لاحت تباشير النصر لصالح معسكر الإمام عليه السلام وأوشكت القوى الباغية على الانهزام دبّروا «خدعة المصاحف» فرفعوا المصاحف علىٰ رؤوس الرماح والسيوف.
كانت مناورة رفع المصاحف مُقدّمة لمسلسل التداعيات اللاحقة والمتلاحقة، في صفوف جيش الإمام علي عليه السلام. . وتمثّل الفصل الثاني من المأساة باختيار الغوغاء أبا موسى الأشعري لتمثيل معسكر الإمام عليه السلام في التحكيم، بينما اختار معاوية عمرو بن العاص.
ومنذ اللحظة الاُولىٰ، رفض الإمام عليه السلام فكرة تمثيل الأشعري، لأسباب عديدة، دونها ضعفه ووهن رأيه إضافة إلى مرتكزاته الفكرية وموقفه من حكومة الإمام عليه السلام. . ورجّح الإمام عبداللّٰه بن عبّاس، غير أنّ الغوغاء أصرّوا على اختيار أبي موسى الأشعري. . وهنا يخاطب الإمام عليه السلام المخدوعين بقوله: «قد عصيتموني في أوّل الأمر - يشير إلى قبول التحكيم وإيقاف القتال - فلا تعصوني الآن، لا أرىٰ أن تولّوا أبا موسى الحكومة فإنّه ضعيف عن عمرو ومكائده. .» (92) .
إلّا أنّهم أصرّوا على اختيار الأشعري، فاستجاب الإمام عليه السلام كارهاً وعلىٰ مضض، معبِّراً بذلك أروع تعبير بقوله: «لا رأي لمن لا يُطاع» !
وانتهت المأساة بهذه المهزلة أو انتهت بهذه المأساة، كما يقول عبّاس محمود العقّاد (93) ، ليبدأ فصل آخر من هذه المهزلة - المأساة. . إنّها فتنة الخوارج.