143خذ من هذا حتى تملأ بطنك فقد أحرقتني. فقلت: وصلتك رَحِم! إنْ كان هذا المال ورثتَه، أو أعطاكه معطٍ، أو اكتسبته من تجار؛ كنتُ أحد رجلين:
إمّا آخذ وأشكر، أو أوفّرَ وأُجْهَد، وإنْ كان من مال اللّٰه وفيه حقّ المسلمين واليتيم وابن السبيل، فواللّٰه مالك أن تعطينيه ولا لي أن آخذه. فقال: أبيت واللّٰه إلّاما أبيت. ثمّ قام إليّ بالقضيب فضربني، واللّٰه ما أردّ يده، حتّىٰ قضىٰ حاجته، فتقنّعتُ بثوبي، ورجعت إلىٰ منزلي، وقلت: اللّٰه بيني وبينك إن كنتُ أمرتُك بمعروف أو نهيتُ عن منكر! (44) .
على خلفيّة هذه الممارسات غير المسؤولة من الطبيعي أن يتفشّى الفساد في جهاز السلطة ويضرب بأطنابه في كلّ الاتجاهات. والسؤال هو: ما هو موقف الإمام عليه السلام من كلّ هذا الذي يجري باسم الإسلام؟
هناك ثلاثة خيارات لا غير: إمّا أن يجاري الوضع على ما هو عليه، أو يلوذ بالصمت مكتفياً بالتفرّج، أو يتصدّىٰ للانحراف.
ولمّا كان الإمام علي عليه السلام عارفاً وظيفته الشرعية، فإنّه ليس بمقدوره إلّا الخيار الأخير، وهو التأشير على مواطن الخلل بالنصيحة تارةً، والعقاب أُخرىٰ، والتحذير ثالثة، وقد كاشف الإمام علي عليه السلام أهل الكوفة، في كتاب منه إليهم، جاء فيه: «من عبد اللّٰه علي أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة، جبهة الأنصار وسنام العرب، أمّا بعد، فإنّي أخبركم عن أمر عثمان حتّىٰ يكون سمعُه كعيانه، إنّ الناس طعنوا عليه، فكنت رجلاً من المهاجرين أُكثر استعتابه (أي استرضاءه) ، وأقلّ عتابَه. . .» (45) .
ولم يكف الإمام علي عليه السلام عن نصيحة عثمان ولم يهتبل فرصة متاحة إلّا وحاول إنقاذ عثمان ممّا هو في مأزق، ولكن دون جدوىٰ، فرأينا كيف كان عثمان يقابل ذلك بمزيد من الانفعال الذي لا يخلو من مظنّة السوء. فقد صوّرت له حاشيته الفاسدة انّ الإمام علياً عليه السلام في طليعة حسّاده على نعمته وإمرته! ، ولطالما أشار عثمان إلى هذه التهمة، تصريحاً أو تلميحاً، سواء في مجالسهالخاصّة أو في خطبه يوم الجمعة.