142قال: ثمّ حجز الناس بينهما. قال: ثمّ خرجتُ من المدينة حتّى انتهيتُ إلى الكوفة، فوجدت أهلها أيضاً وقع بينهم شرّ، ونشبوا في الفتنة، وردّوا سعيد بن العاص فلم يدعوه يدخل إليهم، فلمّا رأيت ذلك رجعت حتّى أتيت بلاد قومي» (41) .
ووقفة متأمّلة ازاء هذا المشهد الكاريكتيري تثير علامات الاستفهام حول طبيعة الوضع الذي كان يقوده عثمان، وهو يوزّع الشتائم والإهانات إلى الصحابة وحتّىٰ زوجات النبي صلى الله عليه و آله لم يسلمن منه، فأيّ حضيض آلت إليه الاُمور؟ !
وفيما كان عثمان يتعامل بهذا الاسلوب الفظّ الذي أبكىٰ بعضاً من صحابة رسول اللّٰه، وجرح كبرياء بعض آخر. . فإنّه - في الوقت نفسه - كان يحيط نفسه بحفنةٍ من المنتفعين، ومعظم ولاته غلمان تثور حول تدينهم وحول أخلاقهم شبهات كثيرة، ولم يكن لهم شيء من الصلاحيات ينفعهم غير صِلاتهم بالخليفة (42) ، وفي مقدّمة هؤلاء عمّه الحكم بن أبي العاص - وهو الذي طرده الرسول من المدينة - وولداه مروان والحارث اللذان صاهرهما عثمان وجعل من الأوّل وزيره المتصرّف (43) ، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، أخو عثمان من أمّه، والذي عيّنه والياً على الكوفة، وكان يشرب الخمرة حتىٰ صلاة الفجر، فيصلّي بالناس أربعاً! وهو ممّن أخبر النبي صلى الله عليه و آله أنه من أهل النار. . وعبداللّٰه بن أبي سرح (أخوه من الرضاعة) الذي ولّاه مصر، ومعاوية على الشام (ويلتقيان في الجدّ الثاني أميّة) وعبداللّٰه بن عامر على البصرة (وهو ابن خاله) .
ولقد لقي الإمام علي عليه السلام من عثمان وبطانته ما لقي من العنت، ونكتفي هنا بإيراد نموذج واحد لهذا الأمر؛ روى الزبير بن بكّار في «الموفقيات» عن رجال أسند بعضهم عن بعض، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: أرسل إليَّ عثمان في الهاجرة (نصف النهار في القيظ) ، فتقنعت بثوبي وأتيته، فدخلت عليه وهو على سريره، وفي يده قضيب، وبين يديه مال دثر (أي كثير) :
صُبرتان من ورق وذهب، فقال: دونك