271العملية للانسان، فأخرج بذلك الحج من الفكرة النظرية المجردة الىٰ واقع عملي يعيشه الانسان بكلّ جوارحه، وذلك هو ما مارسهُ الأئمة من أهل البيت عليهم السلام عندما كانوا يعتبرون الحج قاعدة حوار فكري وساحة تربوية ومدرسة علم ومعرفة لكل أبعاد الحياة وساحة صراع مع شياطين الانس والجن، بل كانوا عليهم السلام يعتبرون الحج الساحة التي يريدون للأمة المسلمة أن تسير في خطّها الاسلامي المستقيم، في خطة توجيهية عملية شاملة.
البُعد العبادي والروحي
المؤمن الصادق الطموح يجهد نفسه في أداء مناسك الحج بشكل متقن وصحيح وبنفسٍ طاهرة متعلقة بخالقها ومعبودها؛ لأنّ نفسه تنظر الى المرآة الالهية قبل أن تنظر الى المرآة الاجتماعية والاقتصادية وغيرهما. . . بحيث يكون سلوكه الذاتي والداخلي والروحي مطابقاً للخطاب الشرعي وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلىٰ كلّ ضامرٍ يأتين من كلّ فج عميق .
وقد وجه الامام الخميني - قدّس سرّه الشريف - خطابات عديدة في هذا المجال؛ ليبين أنّ على الحاج أن يطهّر نفسه ويخلي قلبه من كلّ شيء إلّاحب اللّٰه والطاعة والخضوع له، وأنه يجب عليه أن يربط روحه بمعبوده الواحد الأحد، فقد قال رضى الله عنه محدثاً الحجيج:
«عندما تلفظون لبيك اللهم لبيك، قولوا: لا، لجميع الاصنام، واصرخوا: لا، لكلّ الطواغيت الكبار والصغار، وأثناء الطواف في حرم اللّٰه حيث يتجلى العشق الالهي، اخلوا قلوبكم من الآخرين، وطهروا أرواحكم من أي خوف لغير اللّٰه. وفي موازاة العشق الإلهي، تبرأوا من الأصنام الكبيرة والصغيرة والطواغيت وعملائهم وأزلامهم، من حيث أنّ اللّٰه تعالىٰ ومحبّيه تبرّوا منهم، وإنّ جميع أحرار العالم بريئون منهم، وأثناء سعيكم بين الصفا والمروة اسعوا سعي من يريد الوصول الى المحبوب، حتىٰ إذا ما وجدتموه هانت كلّ الامور الدنيوية، وتنتهي كلّ الشكوك والترددات. وتزول كل المخاوف والحبائل