81تجسيد لأحوال الإنسان الباحث عن ربّه، المتوجّه إليه أينما حلّ وارتحل، يلتمس سُبُلَ الوصول إليه، ويتعرّض لأنفاس رحمته، فالعاشق الذي أشرف على الهلاك من فراق محبوبه، وسُلب منه الاختيار، فهو مختلف الأطوار في سبيل الوصول إلى الحبيب، فتارة تراه متأمّلاً تعلوه السكينة، وتارة تراه مضطرباً غير مستقرّ، ينتقل من مكان إلىٰ مكان صباحاً ومساء، فربّما التجأ إلىٰ جبل، أو أفضى إلىٰ صحراء، لا يهدأ له بال ولا ينعم بقرار.
والحجّ - من هذه الزاوية - حركة إنسانيّة روحيّة، يقوم بها - في زمان واحد ومكان واحد - جمعٌ غفير من الناس، يأتون من جميع أرجاء الأرض وأقطارها إلى البيت الذي أُعِدّ للتقرّب إلى المبدإ الأعلى للخلق.
وهو - من هذه الزاوية أيضاً - مؤتمر للّٰهيضمّ المخلصين والمتّقين والصالحين والعابدين والقانتين علىٰ وجه الأرض.
وما أكثر الاجتماعات والمؤتمرات العالميّة التي تعقد في مختلف شؤون الحياة الإنسانيّة؛ الدينيّة والسياسيّة والعسكريّة والتأريخيّة والأدبيّة، ولكنّك لن تجد في أيّ مكان - غير الحجّ - مؤتمراً للتوحيد والإخلاص والعبادة، ومؤتمراً لجهاد النفس والانقطاع عن الدنيا والاستعداد للآخرة، ومؤتمراً للسير إلى اللّٰه، وما يتضمّنه السير من مراقبة ومكاشفة.
ولن تجد - غير الحجّ - مؤتمراً يُذيب الفرد في الجماعة والجماعة في الفرد، فإذا بالأعمال الفرديّة تضمحلّ لتمتزج في أجواء الجماعة، وأجواء الجماعة تضمحلّ لتمتزج في الأعمال الفرديّة؛ بحيث أنّ الحاجّ يظلّ - في أيام الحجّ - عاكفاً علىٰ نفسه يحاول اكتشافها وسبر أغوارها، قد شُغِلَ بحديث النفس والمناجاة، وتصفية باطنه ممّا علق به من الشوائب، وهذا من قبيل الرهبانيّة التي يمارسها الرهبان المنقطعون عن هذا الخلق، وهي تدعو صاحبها إلى الخلوة والاعتزال ومفارقة الناس، وتؤكّد