82فرديّة الفرد. ونجد - إلىٰ جانب هذا ومتزامناً معه - هذه الفرديّة تفنىٰ وتتلاشىٰ في الجماعة، في كلّ موقف من مواقف الحجّ العظيمة، وأكثر ما تتجلّىٰ روعة هذا الفناء في عرفات. وإفناء الفرديّة في العمل الجماعي يساهم في رسم الخطوط السياسيّة والاجتماعيّة للأمّة الإسلاميّة، كما يساهم في توحيدها، وسنشير إلىٰ هذا فيما بعد.
وفي الحجّ - من ناحية أُخرىٰ - أثر باق من أعماق التأريخ النورانيّ لأنبياء اللّٰه وأوليائه، من آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسىٰ، وعيسىٰ، ومحمّد صلى الله عليه و آله، وآله، وأصحابه، ففيه يتمّ إعادة بناء وصياغة هذا التأريخ الممتلئ بحوادث ومحاولات حُفت بالأخطار، أبطالها الأنبياء والأولياء، فالحجّ - من خلال هذه الرؤية - إعادة بناء لتأريخ الأنبياء.
والحجّ عبارة عن أعمال وألوان من السلوك تعود في جذورها التشريعيّة - طبقاً لما جاء به الكتاب، والأحاديث الواردة بطرق السنّة والشيعة - إلىٰ عهد آدم أبي البشر عليه السلام.
وقد طاف حول هذا البيت كلّ من جاء - بعده - من الأنبياء إلىٰ نبيّنا عليهم السلام وأدّوا مناسكهم علىٰ هذه الأرض المقدّسة، في عرفات، والمشعر، ومنىٰ.
والحجّ - علىٰ وجه التحديد - هو الرقيب علىٰ إعادة بناء وتجديد نظام مؤسّسة التوحيد، الذي تمّ بواسطة أبي الأنبياء إبراهيم خليل اللّٰه عليه السلام حين رفع قواعد البيت وطهّره للطائفين والعاكفين والركّع السجود، كما قصّ لنا ذلك القرآن الكريم. فتضحيات وجهود إبراهيم وهاجر وإسماعيل عليهم السلام وما راودهم خلال ذلك من انفعالات ومخاوف وآمال، تُعاد صياغتها وتتجدّد في كلّ منسك من مناسك الحجّ بالشكل الذي سنشير إليه فيما بعد.
وفي الحقيقة: إنّ إبراهيم عليه السلام بطل التوحيد، وإنّ الملايين من حجّاج بيت اللّٰه العاشقين، ليقومون - في كلّ عام، ومن خلال مناسك الحجّ - بتجلية هذه