149ولمّا كانت حيطان البيت المعظّم عرضة للانهدام والسقوط فقد سقط فعلاً في اليوم الثاني من دخول السيل إلى الحرم الشريف (والمصادف لليوم الحادي عشر من شعبان) سقط الركن الشامي والعراقي دفعة واحدة وذلك بعد صلاة العصر من ذلك اليوم. وقد رافق ذلك السقوط والهدم صوت الرعد والبرق ممّا أحدث صوتاً رهيباً أثار في نفوس أهالي مكّة الخوف والهلع ممّا حدى ببعضهم إلى مغادرة منازلهم، وترك وسائلهم داخل تلك البيوت. وقد أثار ذلك الانهدام والسقوط دهشة المكّيين وحيرتهم حتّىٰ انّ البعض منهم وصفَ صورة ذلك اليوم وما حصل فيه بأنّها علامة من علامات يوم القيامة.
هذا وقد هامت النساء والرجال على وجوههم، ولم يعرفوا أيّ بلاء نزل بهم! فافترقت الأُمّ عن ولدها ولم تسأل عنه، وانفصل الابن عن أُمِّه وأبيه ولم يبادر أحد أن يجد من فقد، أو يتعقّبه. وقد ظلّت المياه داخل الحرم الشريف مدّة ثلاثة أيام بعد انقطاع السيل، وتمَّ في اليوم الرابع خروج الماء من داخل الحرم إلى خارجه وذلك بعد انفتاح ممرّ السيل (المسيل) . سالكاً الطرق التي سلكها السيل من قبل بينما ظلّت الأحجار والأتربة التي كان السيل قد أتىٰ بها داخل الحرم بارتفاع قامة انسان مكوّنة تلالاً صغيرة تُذكّر بما حدث.
وقد عقد الشريف مسعود بن إدريس (أمير مكّة آنئذٍ) مجلس استشارة داخل الحرم الشريف ضَمَّ جمهور الأشراف وسكان بلد اللّٰه الحرام، فانتُزعت قناديل الذهب والفضة، التي كانت معلّقة داخل الحرم الشريف. وكتب محمّد باشا والي مصر تفاصيل الحادثة وسقوط بيت اللّٰه الحرام وأرسلها إلى السلطان. ولمّا كان وصول تلك المعلومات إلى دار الخلافة في اسطنبول وإيصالها إلى البلاط العثماني يكلّف وقتاً طويلاً، وحيث إنّه لم يكن من اللائق ترك الكعبة المشرَّفة على حالها تلك، فقد كتب (محمّد باشا) إلى مصطفى آقا (أمين جدّة في ذلك الوقت)