145أنفسهم أيضاً في صلواتهم وقيامهم وسعيهم وطوافهم أنهم ينطقون بالشهادتين ويهتفون بنداء واحدٍ. وسيكتشف الجميع أنهم أبناء ملة واحدةٍ، وأنهم أمة من دون الناس. وأنّ دماءهم عليهم حرام وأموالهم عليهم حرام وأعراضهم عليهم حرام، كحرمة يومهم وكعبتهم (9) " كل المسلم علي المسلم حرام دمه وماله وعرضه " (10) كما صرّح بذلك أمين الله علي وحيه خاتم المرسلين نبينا محمد (صلّي الله عليه وآله وسلّم) .
وعند ذاك سينكشف أمامهم زيفُ دعاوي الخصوم ودعاة التفرقة، والمروجين للأراجيف التي يطلقها الأعداء ضدَ مذاهبهم ومدارسهم الكلامية أو الفقهية.
وليس هناك أعظم من الحج مؤتمراً تُعلن فيه الحقائق، وتتبين فيه العقائد، وتتضح فيه أسباب التآلف والتقارب.
وقد أشارَ العلامة الطباطبائي إلي هذا المعني قائلاً: "فإذا اجتمعت أقوامُ وأممٌ من مختلف مناطق الأرض وأصقاعها، علي مالهم من اختلاف الأنساب والألوان والسنن والآداب، ثم تعارفوا بينهم وكلمتهم واحدة هي كلمة الحق، وإلههم واحد وهو الله عزّ اسمهُ، ووجهتهم واحدة هي الكعبة - البيت الحرام - حملهم اتحاد الأرواح علي تقارب الأشباح، ووحدة القول علي تشابه الفعل. . . " (11) .
ثالثاً: التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي:
لا ريب أنّ التبادل في التجارات مدعاة لنمو الثروات وزيادة الدخل ورفاه المجتمع، وأنّ تبادل الخبرات والتعاون الاقتصادي له أثره الكبير علي تقوية الأواصر، والإِسهام في سدّ احتياجات الأمة المعاشية، وربما يقود استمرار التبادل التجاري والعاون الاقتصادي إلي تحقيق التكامل الاقتصادي في الأمة والاكتفاء الذاتي، وبذلك يتحقق ما يهدف إليه الشرع الشريف من أن تكون الأمة المسلمة (أمة من دون الناس) ، يسود بينها التعاضد والتعاون، وتنفتح علي الأمم وفق عهود والتزامات متقابلة.
ولقد وردت في كتب التفسير وفي الروايات ما ينبيء بكون الحجّ يؤدي مثل هذه الوظيفة المهمة، ويحقق تلك الأهداف الكبرة.
فقد ذكر الزمخشري في الكشاف لمناسبة تفسير قوله تعالي: وأذّن في الناس بالحجّ يأتوك رِجالاً وعلي كلّ ضامرٍ يأتين من كل فجٍّ عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسمَ الله في أيامٍ معلومات. . " الحج 27 - 28.
قال: نكّر المنافع - أي في الآية - لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة، دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات. . . " (12) . وإليه ذهب أبو السعود (13) . ونقل ابن كثير روايةً عن ابن عباس فسرّ فيها منافع الدنيا بما يصيبون من التجارات (14) ونقل الطبرسي (15) عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنّ المنافع في الآية التجارات. وأورد هذا المعني الرازي في تفسيره قال في المسألة الأولي: " أنه تعالي لما أمرَ بالحج في قوله: وأذّن في الناس بالحج ذكر. حكمة ذلك الأمر في قوله تعالي: ليشهدوا منافع لهم قال: واختلفوا فيها فبعضهم حملها علي منافع الدنيا، وهي أن يتّجروا في أيام الحج. . . " (16) .