65بدأ جلالته حديثه معنا قائلاً:
«أرجو أن لا تكونوا قد تأثرتم بشيء مما بدا لكم من خشونة بعض سكان البادية، وجفاء طباعها، أو شدة تعصبهم للدين، فذلك أمر يرجع إلى الفطرة التي نشؤوا عليها، على أني شخصياً وكبار أقطاب دولتي لسنا على شيء من هذا، يدلك على هذا أنّ مندوبي الدول ذات الشأن بنا يدخلون معنا في مفاوضات طويلة فلا نشتد وإياهم، أو نسلك معهم مسلكاً ينأى بهم عنا، بخلاف ما شاهدتموه أنتم شخصياً إذا طوحت بكم أحاديث كهذه مع قبائل البدو الذين هم على الفطرة، وإني أحمد الله أنّ شعباً كهذا يدين بالولاء لمليكه، ويرفع كلمته عند الشدة، ويبذل مهجه عند الضرورة، ويقنع بالقليل من أود الحياة، ولعل أخبار حربنا مع الشريفين وما أبداه شعبنا من بسالة وإقدام وتفانٍ في رفع راية مليكه أكبر شاهد على ما أقول» .
سألنا جلالته: وهل تتنازلون جلالتكم ببيان الأسباب المباشرة لقيام الحرب الحجازية الأخيرة؟
فأجاب: «نعم، وإني أقسم لك بأني ما كنت أبغي الحرب معهم، لولا أنّ الشريف حسيناً هو الذي ألجأنا إلى قتاله بما ارتكبته عصابته في السنوات الأخيرة من سوء معاملة حجاج بيت الله الحرام، ليس بالنسبة للنجديين وحدهم، بل وسواهم من أمم الإسلام الأخرى، ولقد صبرنا عليهم صبراً جميلاً وفوضنا الأمر فيهم لله تعالى، فما ازدادوا إلا بغياً وعدواناً، وأنذرناهم بداءة بدء سوء المصير، ولكنهم تمادوا عتواً، وأعمل رجالهم صلفاً وإرهاقاً مما لا قِبَل لنا على المزيد من الصبر عليه، فاضطررنا في نهاية الأمر إلى تسيير جيشنا إلى الحجاز، وإذا سمعت مني كلمة: جيش، فليس ذلك الجيش إلا أولئك البدو البواسل الذين تشاهدهم حولك هنا وهناك، فعلنا ذلك وكان يقيننا أننا نطهر أرض الحجاز من أهل البغي، ونؤمّن طريق الحجاج، ونحمي أرواح المسلمين، ليس في نيتنا أن نتملك الحجاز لذاته، أو نزيد ملكنا بسطة وسلطاناً، فقد كنا نعلم أن لأهل الحجاز عقائد وتقاليد تخالف عقائدنا، وهناك عصابات القتل والنهب والإخلال بالأمن من الصعب قطع دابرها أو تحويل عقائدهم وأحكامهم إلى مثل الحال في بلادنا، نجد، وكنا نعلم أكثر من ذلك أنّ امتلاك الحجاز ربما يسبب لنا متاعب، ويفتح الباب لتدخل بعض الدول الأوربية معنا، ولكنا خضنا الحرب مع ذلك تحت تأثير غرضنا الأسمى، الذي أسلفت لك بيانه، وهكذا كُتب لنا النصر بعد حرب لم تدم طويلاً بسبب تذمر الحجازيين من سوء حكم الشريف، حتى لقد كان رجالنا