128
ممن القوم؟ فقالوا: من شيبان بن ثعلبة، فدعاهم رسول الله (ص) إلى الشهادتين وإلى أن ينصروه فإنّ قريشاً كذبوه، فقال مقرون بن عمرو: إلام تدعونا أخا قريش، فتلا رسول الله (ص) : إِنَّ للَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَلإْحْسَانِ الآية، فقال مقرون بن عمرو: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك» . 1
فالاعتقادات الباطلة والضلالات، والمساوئ والجهالة، والعيوب كالسفه والنزق والطيش والكبر والقتل والغزو والجور والتجاوز، وهي من المظاهر المذمومة في تلك المرحلة من تاريخ بلاد الحجاز والجزيرة، والتي لم ينجو منها أضعف خلق الله تعالى وهو الرضيع اليتيم فضلاً عن غيره. . ، لو لم تكن بدرجة خطيرة، وشرّها فاش في تلك الساحات، ولها آثار مدمرة على الإنسان وكيانه، لما استحقت أن توصف بصفة الجاهلية والتحذير منها. .
صحيح أنّ هناك أموراً ممدوحة، لا ينبغي لنا نسيانها أو التغافل عنها كسقايتهم الحجيج، وعمارتهم المسجد الحرام، وهو شيءٌ جيد، لكنه لا يرقى إلى الإيمان بالله تعالى. . كما في الآية: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . 2
وكتقليد حقن الدماء ولو لحين، والذي يتمثل برعايتهم والتزامهم بأنّ مكة بما فيها الكعبة حَرم آمن، فهي البلد الحرام وهي البيت الحرام. . فكانوا يتوقفون عن الأخذ بالثأر فيها؛ لأنه أمر لا يجوز مهما كانت الأسباب والدواعي، والتزامهم أيضاً بالأشهر الحُرُم، وهى ذوالقعدة وذوالحجة والمحرم ورجب، حين كانوا يتوقفون فيها عن القتال والأخذ بالثأر ويجعلونها شهور هدنة، وإن كانوا أحياناً ينتهكون بعضها ويعوضونه بشهور أخرى، وهو ما يسمونه: «النَّسِيء» ، ولكنهم يتوقفون فيها عن المعارك وإراقة الدماء، والأخذ بالثأر، ونعرف أهمية توقفهم هذا إذا عرفنا أنّ الثأر تقليد جاهلي راسخ فى نفوسهم، من لم يأخذ بثأره يصبح موضع عار وسخرية بينهم. . كما أنّ حياتهم وإن كانت مابين وقائع وحروب وغزوات سفكت فيها دماؤهم وانتهكت فيها حرمهم، إلا أنها لم تخلو من عهود ومواثق وأحلاف، حفظت سلمهم وأمنهم تاريخياً طويلاً،