129جاءت بفضل عقلائهم وحلمائهم. . وما حلف الفضول إلا مثالاً رائعاً حين تعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن يداً واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدى إليه حقه. . وقد شهده رسول الله (ص) قبل بعثته، وعمره عشرون سنة، ونسب إليه أنه قال:
«لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت» . 1
فلا تجعلنا عيوب الجاهلية نغفل عمن ضربت بحلمهم وحكمتهم الأمثال، وهم عديدون. 2
و عما ظهر فيهم من بيان وفصاحة وبلاغة تتوفر عليها لغتهم العربية الجميلة، ويشهد لهم بهذا تحدي القرآن الكريم لهم في أخصِّ خصائصهم، التي يتقنونها بألوانها وضروبها حين قال: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُقُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . 3
أَمْ يَقُولُونَ فْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَدْعُواْ مَنِ سْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ للَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . 4
وكذا الآية: 23 البقرة. كان هذا في مكة المكرمة، والمسلمون في ضعف، عندما اتهم كفارها رسول الله (ص) بأنه كذب على الله وافترى عليه القرآن، أو كانوا في ريب منه، فأمره الله تعالى أن يرد عليهم ويطلب منهم - وهم أرباب البلاغة - بأن يأتوا بعشر سور، ثمَّ بسورة واحدة مثل القرآن.
إنَّ لغتهم، التي نزل بها القرآن الكريم، موضع اعتزاز لهم حتى غدت موائدها تشغل بالهم فصاغوها قصائد ودواوين شعر عظيمة نموذجها الرائع المعلقات على جدران الكعبة، وما تتضمنه حياتهم من خصائص وأخلاق كريمة تمّم الإسلام مكارمها وأيدها كالصدق والوفاء والنجدة وحماية الذمار والجرأة والشجاعة واحترام الجار والكرم. . راحت تملأ حياتهم يتفاخرون بها نثراً ويتغنون بها شعراً. . كما صارت قصائدهم بكل أولوانها من وصف ومديح وغزل ورثاء وهجاء وفخر وحماسة وأمثال وحكم وقصص تشكل ثقافتهم وإعلامهم، راحوا يتسابقون إلى الإبداع