127المرحلة من حياة العرب، فكما هناك حليمٌ هناك سفيهٌ، وكما هناك أمينٌ هناك خائن، وكما هناك متسامح هناك متعسف، وهناك من يحترم المرأة، وهناك من يئدها وهي صغيرة، وبالتالي لم يكن وأدُ البنات حالة عامة، لكنها تركت آثارها الخطيرة على واقع الحياة، ومثلت خطورةً واعتداءً سافراً على إرادة الله تعالى، على كيانٍ إنساني بريءٍ خلقه الله تعالى؛ ليكمل به مشروع السماء في بناء حياة طيبة. .
وهناك من يدعو إلى خلق ذميم، وهناك من يقدّر الحلم وأهله، وإلا لو كان عرب مكة ويثرب وما حولهما من بلاد واسعة، يشكلون مجتمع جاهلية أخلاقية مطلقة، فبأي معيار أخلاقي عرف رسول الله (ص) بأنه الصادق الأمين، وبأي دافع آمن المسلمون الأوائل بصدقه (ص) ودعوته، وهذا دليل على أنهم كانوا يميزون بين الصدق والكذب، وأنّ الأول ممدوح هو وصاحبه، والآخر مذموم هو ومن عمل به، وهكذا نظرتهم إلى الأمانة والخيانة، وكانوا يعرفون قيمة الخلق الطيب ويفرقون بينه وبين الخلق الخبيث، وقد قالها رسول الله (ص) :
«إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق» . وكان أبو طالب رضوان الله عليه يقول لقريش: «يا آل قريش اتبعوا محمداً (ص) ترشدوا فإنه لا يأمركم إلا بمكارم الأخلاق» ، أو: «. . . يا معشر قريش آمِنُوا بالذي جاء به محمد (ص) ، فإنه قد جاءكم بأحسن الأخلاق» .
وفي الكشاف للزمخشري في تفسيره للآية: خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالْعُرْفِوأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ ، 1أي ولا تكافىء السفهاء بمثل سفههم، ولا تمارهم، واحلم عنهم، وأغض على ما يسوؤك منهم. وقيل: لما نزلت الآية سأل جبريل (ع) (ما هذا؟) فقال: «لا أدري حتى أسأل [العالم]، ثم رجع فقال: «يا محمد» إنّ ربك أمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك» . وعن جعفر الصادق:
«أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها» .
وذكر الرازي في تفسيره: عن علي عليه السلام أنه قال:
«أمر الله تعالى نبيه (ص) أن يعرض نفسه على قبائل العرب، فخرج وأنا معه وأبو بكر، فوقفنا على مجلس عليهم الوقار فقال أبوبكر: