114ولميسلموا أنفسهم كلها لله خالصة, ولم يستسلموا بكليتهم لقدره, ولم تطمئن قلوبهم إلى أن ما أصابهم إنما هو ابتلاء للتمحيص, وليس تخلياً من الله عن أوليائه لأعدائه, ولا قضاء منه سبحانه للكفر والشر والباطل بالغلبة الأخيرة والنصر الكامل". 1
إنهم الذين أهمتهم أنفسهم يعني المنافقين. مُعَتِّب بن قُشير وأصحابه، وكانوا خرجوا طمعاً في الغنيمة وخوف المؤمنين، فلم يغشهم النعاس وجعلوا يتأسّفون على الحضور، ويقولون الأقاويل كما عن القرطبي، أو حَدّثتهم أنفسهم - كما في التحرير والتنوير- بما يدخل عليهم الهَمّ، وذلك بعدم رضاهم بقدر الله، وبشدّة تلهّفهم على ما أصابهم، وتحسّرهم على ما فاتهم مِمّا يظّنونه، منجياً لهم لو عملوه: أي من الندم على ما فات، وإذ كانوا كذلك كانت نفوسهم في اضطراب وتحرّق يمنعهم من الاطمئنان. . .
وقيل معنى أهمّتهم ، أدخلت عليهم الهَمّ بالكفر والارتداد، وكان مُعَتِّب بن قُشير رأسَ هذه الطائفة، حين كان صاحب هذه المقالة، قال الزبير بن العوّام: غشيني النُّعاس فسمعت معتّب بن قشير يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا. فحكى القرآن مقالته كما قالها، وأسندت إلى جميعهم؛ لأنَّهم سمعوها ورضوا بها.
وجملة: يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ أي ظنّ أهْلِ الْجَاهِلِيَّة، كما عن القرطبي. ويقول الرازي: المسألة الثالثة في قوله: ظَنَّ لْجَاهِلِيَّةِ قولان: أحدهما: أنه كقولك: حاتم الجود، وعمر العدل، يريد الظن المختص بالملة الجاهلية، والثاني: المراد ظن أهل الجاهلية.
ابن عاشور: إمَّا استئناف بياني نشأ عن قوله: قد أهمتهم أنفسهم وإمَّا حال من طائفة ، و غير الحق منتصب على أنَّه مفعول يظنّون كأنَّه قيل الباطلَ. وانتصب قوله: ظن الجاهلية على المصدر المبيّن للنوع، إذ كلّ أحد يعرف عقائد الجاهلية إن كان متلبِّساً بها أو تاركاً بها.
وفي المراد من الظن المذكور؛ أنهم كانوا يظنون بالله غير الظن الحقّ الذي يحقُّ أن يظن به، يقول الرازي: المسألة الثانية: غَيْر الحق في حكم المصدر، ومعناه: يظنون بالله غير الظن الحق