115الذي يجب أن يظن به، و ظن الجاهلية بدل منه، والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق أديان كثيرة، وأقبحها مقالات أهل الجاهلية، فذكر أولاً أنهم يظنون بالله غير الظن الحق، ثم بين أنهم اختاروا من أقسام الأديان التي غير حقة أركها وأكثرها بطلاناً، وهو ظن أهل الجاهلية، كما يقال: فلان دينه ليس بحق، دينه دين الملاحدة.
ويقول ابن عاشور: أنَّهم ذهبت بهم هواجسهم إلى أن ظنوا بالله ظنوناً سيئة.
وفي هذا تعريض بأنَّهم لم يزالوا على جاهليتهم لم يخلصوا الدين لله، وقد تجسّد هذا الظنُّ المذمومُ المتمثل بتخيلات باطلة، واعتقادات خاطئة، وهي أوهام الجاهلية، ويظهر كلُّ هذا في:
الجملة الأولى: يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ. . . .
يقول ابن عاشور: وهي بدل اشتمال من جملة يظنّون لأنّ ظنّ الجاهلية يشتمل على معنى هذا القول. وهل هنا للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي، بقرينة زيادة (من) قبل النكرة، وهي من خصائص النفي، وهو تبرئة لأنفسهم من أن يكونوا سبباً في مقابلة العدوّ. حتَّى نشأ عنه ما نشأ، وتعريض بأنّ الخروج للقتال يوم أحُدٍ خطأ وغرور، ويظنّون أنّ محمداً (ص) ليس برسول إذ لو كان لكان مؤيّداً بالنصر.
وفي الجملة الثانية: يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ . وهي علامة نفاقهم فجملة: يخفون حال من الضّمير في يقولون ، أي يقولون ذلك في حال نيّتهم غيرَ ظَاهِرِه، ف-: يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك إعلان بنفاقهم كما يذكر ابن عاشور.
وفي الجملة الثالثة: يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَا . أي من شأن الخروج إلى القتال، أو من أمر تدبير النَّاس شيء، أي رأي، ما قتلنا ههنا، أي ما قتل قومنا. وليس المراد انتفاء القتل مع الخروج إلى القتال في أحُد، بل المراد انتفاء الخروج إلى أحُد الَّذي كان سبباً في قتل من قُتل، كما تدلّ عليه قرينة الإشارة بقوله: ههنا ، فالكلام كناية. وهذا القول قاله عبد الله بن أُبَي ابن سلول لمّا أخبروه بمن استشهد من الخزرج يومئذ، وهذا تنصّل من أسباب الحرب وتعريض بالنَّبي (ص) ، ومن أشار بالخروج من المؤمنين الَّذين رغبوا في إحدى الحسنيين.
ويقول: وإنَّما كان هذا الظنّ غيرَ الحقّ لأنَّه تخليط في معرفة صفات الله وصفات رسوله (ص) وما يجوز وما يستحيل، فإنّ لله أمراً وهدياً وله قدَر وتيسير، وكذلك لرسوله الدعوة والتشريع وبذل