81وبهذا يظهر ما في القول الثاني؛ لأنّه يحصل فيه مخالفة الصحيحين المذكورين ولو في بعض الأحوال والأوضاع؛ فإنّه لو وصل إلى ما يحاذي الشجرة مثلاً فلا يلزم الإحرام منه على القول المذكور مع أنّه خلاف ما يستفاد منهما.
وأمّا ما قيل إنّه أجود الأقوال لأصل البراءة من محاذاة الأبعد، فالجواب أنّ أصل البراءة يقتضي عدم وجوب الإحرام من أقرب المواقيت أيضاً، فلو سلّم وجوبه من الصحيحين فلِمَ لا يسلّم بالنسبة إلى الأبعد مع ظهورهما فيه كما عرفت.
إلاّ أن يقال: إنّ ذلك الحكم لم يثبت منهما أصلاً، بل ثبت من اتّفاقهم على أنّ المسافة التي ما بين أقرب المواقيت وبين مكّة، وهي مرحلتان، لا يجوز قطعها بدون الإحرام من أحد أطرافها كما قيل.
وفيه أنّ الشأن في اتّفاقهم على ذلك وفي ثبوت الحكم المذكور منه وكذا ما في القول الثالث الأخير فإنّه كذلك مخالف لما يستفاد من الصحيحين ويخالف كلا القولين.
وإذا عرفت هذا فاعلم أنّ المتّجه اعتبار العلم بالمحاذاة، ولكن صرّح غير واحد بكفاية الظنّ بها، ولعلّه للحرج والأصل وانسياقِ إرادة الظنّ في أمثال المقام، والظاهر تعيين تحصيل العلم بها مع التمكّن، وأمّا مع عدمه فيكفي الظنّ.
ثمّ إن ظهر تقدّم الإحرام على المحاذي أعاد منه، وإن ظهر التأخّر فاستقربوا الإجزاء؛ للحرج وأصل البراءة؛ لأنّه كلّف باتّباع ظنّه، ولكن الإعادة هنا أيضاً مع الإمكان أحوط، وإن لم يتمكّن من الإعادة فالظاهر هو الإجزاء، وإن لم يكن له سبيل إلى العلم والظنّ فقال العلاّمة في محكي المنتهى والتحرير: أحرم من بُعد بحيث يعلم أنّه لم يتجاوز من الميقات إلاّ محرماً. قال كاشف اللثام: وفيه نظر ظاهر. 1انتهى.