80أبعدهما عن مكّة، وهكذا لو فرض طريق فيه موضع يحاذي الجحفة ثمّ موضع آخر يحاذي القرن أو مثله من المواقيت القريبة عن مكّة كان الإحرام من المحاذي الأوّل وهكذا القياس.
ولعلّ كلام العلاّمة طاب ثراه في المنتهى يؤول إلى هذا؛ فإنّه بعد ما اختار أنّه أقرب المواقيت إليه، أي إلى السالك في ذلك الطريق، قال: «والأولى أن يكون إحرامه بحذاء أبعد المواقيت 1من مكّة» . 2إلى آخره؛ إذ ليس المراد أنّ الأبعد الذي هو أبعد من الطريق أيضاً حتّى لم يبق المحاذاة العرفية، بل المقصود على الظاهر ما ذكرناه، نعم فيه أنّه أولى وعند النظر القاصر لا بدّ منه عند محاذاة أبعد المواقيت من مكّة مع قربه عن الطريق، فإن لم يوجد محاذاته فلا عبرة به.
فإن قيل: الظاهر من الصحيحين المزبورين اعتبار المحاذاة من أبعد المواقيت عن مكّة، وهو ميقات المدينة، يعني الشجرة، إذ لم يلتف إلى ميقات العراق لو حاذاه بعد ذلك وهو العقيق.
قلت: ما يظهر من الصحيحين فهو على الظاهر يرجع إلى ما فصّلناه؛ لأنّ المذكور فيهما هو الإحرام من محاذاة الشجرة، ولا يوجد المحاذاة العرفية للشجرة إلاّ في الطريق الذي كانت الشجرة أقرب المواقيت إليه، فلو فرض أنّ الشجرة مثلاً في الشرق وطريق في الغرب فلا يكون في ذلك الطريق موضع يصدق عليه في العرف أنّه يحاذي الشجرة، نعم يظهر منهما عدم الالتفات إلى المحاذاة الثانية، أي التي توجد بعد المحاذاة الأُولى، وهو كذلك كما ذكرناه.
وبالجملة فمدار الحكم على تحقّق المحاذاة العرفية بحيث يصدق أنّ الميقات الفلاني في جنب هذا الطريق بالتفصيل الذي مضى آنفاً.