66ومظاهرها الدينية، فهذا العنوان أخصّ من عنوان مطلق المنع من الاستيطان أو الزيارة أو الدفن أو نحو ذلك.
إلاّ أنّ هذه الملاحظة لمّا وردت على الرواية المذكورة في مصدر غير معتبر سنداً لم يكن يمكن التعويل عليها في مواجهة سائر الروايات قبل النظر في الروايات القادمة.
الملاحظة الثالثة: إنّ هذا النص- الوصية - قد صدر قبيل وفاةالرسول (ص) وبعد نزول سورة المائدة ورجوع النبي من حجّة الوداع، وقد تعرّضنا في مناسبةٍ أخرى لما يصدر عن النبي بعد هاتين الحادثتين، وقلنا بأنّ مقتضى آية إكمال الدين أنه لم يعد هناك شيء ناقص في الدين، وأنّ حجّة الوداع قد أعلن فيها النبي (ص) أنه ما من شيء يقرّب إلى الجنة ويبعّد عن النار إلاّ وقاله، إذاً فلم تعد هناك أشياء ناقصة في أصل الدين، من هنا تحمل النصوص النبوية التي أعقبت هذا الأمر، إما على تكرار ما كان قاله النبي من قبل، أو على بيان حكم حكومي ولائي، غير الأحكام الإلهية الثابتة.
وهنا يقال: إذا ثبت أنّ مسألة إخراج المشركين من جزيرة العرب قد صدرت من النبي قبل ذلك، كان بيانه هنا تكراراً للحكم الإلهي، ويتمّ الاستدلال، أما إذا لم يثبت ذلك، فيحتمل جداً أن يكون بياناً لحكم حكومي بيّنه النبي ليفعلوه لمصالح زمنية تستدعي تطهير الجزيرة العربية تماماً من الشرك، لتكون خاليةً تماماً من الوجود غير الإسلامي، ريما حمايةً لانطلاقة الوجود الإسلامي بعد ذلك في الفتوحات أو غيرها.
ولعلّ ما يعزز هذا الأمر أنّ الموردين الآخرين اللذين ذكرهما النبي فيهما روح الحكم التاريخي، فإنّ إنفاذ جيش أسامة ليس حكماً إلهياً ثابتاً وإنما هو حكم مرحلي خاصّ بزمن النبي (ص) وإجازة الوفد كما كان يجيزهم -بمعنى إكرامهم وإنزالهم - ليس حكماً خاصاً بالوفود الآتية؛ لأنّ عنوانه عام، وإنما هو مصداق لوجوب الإكرام أو لنهج التعامل مع المؤلّفة قلوبهم أو نحو ذلك، فليس هناك تأسيس حكم جديد هنا أيضاً.