65وقد يقال بأنّ هذه الملاحظة قابلة للمناقشة؛ لأنّ النصين لم يتصدّيا لإبراز وصيّة رسول الله (ص) بما هي نصٌّ كامل متكامل، وإنما أخبر كلّ نصّ منهما عن شيء أوصى به، ولعلّ كلّ نص منهما يخبر عن مقطع آخر، حتى لو فرضنا أنّ الوصية المخبر عنها كانت واحدة، وأنه لم يقم الرسول (ص) بالإيصاء مرّتين متباعدتين زماناً، كما هو غير بعيد.
إلاّ أنّ ظاهر الروايات - لاسيما بطريق ابن عباس - الإخبار عن تمام الوصية؛ فإنها ذكرت أنّ الرسول بيّن ثلاثة أشياء في وصيّته ثم ذكرتها، وفي بعض المصادر جاء نسيان الثالثة من طرف الراوي، وهو ظاهر في بيان أحداث الوصية كلّها، لاسيّما وأنّ بعض روايات إخراج اليهود عبّر فيها بآخر ما تكلّم به الرسول حيث جاء قوله: «أخرجوا اليهود من الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب» ؛ 1وفي خبر آخر إلى أبي عبيدة بن الجراح أيضاً أنه: «وأحسبه قال: أخرجوا اليهود من أرض الحجاز» ، 2حيث لايبدو من الراوي التأكّد من صدور هذه الجملة.
وهذا ما يفتح الباب على تردّد آخر، في إضافة أهل نجران على صعيد الجزيرة العربية، وتخصيص اليهود بأرض الحجاز، بناءً على التمييز بين الجزيرة والحجاز؛ إلاّ إذا جرى الإصرار على وجود عدّة وصايا له (ص) عند وفاته، في بعضها يذكر المشركين وفي بعضها الآخر اليهود، بل لقد تعدّدت الروايات في آخر ما نطق به الرسول (ص) من الصلاة وغيرها، ولعلّ التعبير بآخر ما تكلّم به قائمٌ على المسامحة العرفية.
الملاحظة الثانية: إنّ ظاهر رواية كتاب الإيضاح بيان للغاية بقوله: «حتى لا يكون في جزيرة العرب إلاّ دين واحد» ، وهذا معناه أنّ الإخراج كان لغاية عدم وجود دينين في جزيرة العرب، وستأتي رواية مستقلّة بهذا الصدد؛ وعدم وجود دينين لا يقتضي منع الكافر من الاستيطان في الحجاز أو جزيرة العرب؛ لعدم صدق وجود دينين بذلك، بل إنما يصدق بوجود جماعات كبيرة لها معابدها، وأماكن صلاتها،