132شيئاً إدّاً، فتب إلى الله عزّوجلّ يا قيس بن سعد! فإنك كنت في المجلبين على عثمان بن عفان - إن كانت التوبة من قتل المؤمن تغني شيئاً - فأما صاحبك فإنا استيقنا أنه الذي أغرى به الناس، وحملهم على قتله حتى قتلوه، وأنه لم يسلم من دمه عظم قومك، فإن استطعت يا قيس أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل، تابعنا على أمرنا، ولك سلطان العراقين إذا ظهرت ما بقيت، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان، وسلني غير هذا مما تحب، فإنك لا تسألني شيئاً إلا أوتيته، واكتب لي برأيك فيما كتبت به إليك، والسلام.
فلما جاءه كتاب معاوية، كتب إليه: أما بعد، فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من قتل عثمان، وذلك أمر لم أقارفه، ولم أطف به. وذكرت أنّ صاحبي هو أغوى الناس بعثمان، و دسهم إليه حتى قتلوه، وهذا ما لم أطلع عليه، وذكرت أنّ عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان، فأول الناس كان فيه قياماً عشيرتي، وأما ما سألتني من متابعتك، وعرضت علي من الجزاء به، فقد فهمته، وهذا أمر لي فيه نظر وفكرة، وليس هذا مما يسرع إليه، وأنا كاف عنك، ولن يأتيك من قبلي شيء تكرهه حتى ترى ونرى إن شاء الله، والمستجار الله عزّوجلّ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
هذه الإجابة الهادئة كما يراها القارئ، والتي لاتخلو من فنّ السياسة لمصلحة يراها الرجل، أو هو «أحب أن يدافعه ولايبدي له أمره، ولايعجل له حربه» أو أنه «لم يره إلاّ مقارباً مباعداً، ولم يأمن أن يكون له في ذلك مباعداً مكايداً» ، كما صرح به في تاريخ الطبري؛ فيما جعلت معاوية متحيراً في فهم مراد قيس حتى عدها خديعةً يبتغي من ورائها تحقيق أغراض له، وهو يعرف قيساً جيداً في دهائه، ويرى نفسه أنه لايصانع بالخداع ولا يخادع بالمكائد، لهذا كتب إليه ثانيةً: أما بعد، فقد قرأت كتابك، فلم أرك تدنو فأعدك سلماً، ولم أرك تباعد فأعدك حرباً، أنت فيما هاهنا كحنك الجزور، وليس مثلي يصانع المخادع، ولا ينتزع للمكايد، ومعه عدد الرجال، وبيده أعنة الخيل، والسلام عليك.
فلما قرأ قيس كتاب معاوية هذا ورأه أنه لايقبل معه المدافعة والمماطلة، أظهر له ذات نفسه، فكتب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم؛ من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد، فإنّ العجب من اغترارك بي، وطمعك في، واستسقاطك رأيي؛ أتسومني الخروج من طاعة أولى الناس بالإمرة، وأقولهم للحق، وأهداهم سبيلاً، وأقربهم من رسول الله (ص) وسيلةً، وتأمرني بالدخول في طاعتك، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر، وأقولهم للزور، وأضلهم سبيلاً، وأبعدهم من الله عزّوجلّ ورسوله (ص) وسيلةً، ولد ضالين مضلين، طاغوت من طواغيت إبليس! وأما قولك إني مالئ عليك مصرخيلاً ورجلاً، فوالله إن لم أشغلك بنفسك حتى تكون نفسك أهم إليك، إنك لذو جد؛ والسلام.
فلما بلغ معاوية كتاب قيس آيس منه وثقل عليه مكانه. 1المكيدة!