133وردت الأخبار، وراحت الأقوال تختلف في سبب عزله، وهي بلا شك تحتاج الى تدقيق وإعمال نظر فيها، تبين أنّ قيساً قام بعمل لم ينل قبول بعض رفاق دربه، فيما فسره آخرون لصالحه، وفريق ثالث اتخذ منه وسيلة لتشويه شخصيته خصوصاً عند الإمام علي (ع) ، فيكون مبرراً لعزله عن ولاية مصر، التي تقض مضاجعهم مادام قيس عليها، وأبطال هذا الفريق هم معاوية وعمرو بن العاص، غايتهم منها إبعاد قيس عن ولاية مصر وهو ما يريده معاوية "فكل من ولي يكون أهون علينا من قيس" وإن استطاعوا التفريق بينه وبين الإمام علي (ع) فهو أقر لعيونهم، وأسلم لتحقيق آمالهم وأهدافهم. .
ذكر الخبر كما في تاريخ دمشق لابن عساكر وفي غيره أيضاً أنّ عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان كان قد شق عليهما وعلى أهل الشام ما يصنع قيس بن سعد من مناصحة علي، وما ضيق على أهل الشام، فلا يحمل إليهم طعام؛ فكان عمرو بن العاص ومعاوية جاهدين أن يخرجا قيساً من مصر، ويغلبا عليهما، وكان قيس قد امتنع منهما بالمكيدة والدهاء، فمكرا بعلي (ع) في أمره، فكتب معاوية كتاباً في قيس إليه يذكر فيه ما أتى إلى عثمان من الأمر العظيم، وأنه على السمع والطاعة. ثم نادى معاوية: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس في السلاح، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: يا أهل الشام إنّ الله ينصر خليفته المظلوم، ويخذل عدوه، أبشروا، هذا قيس بن سعد، ناب (سيدهم وكبيرهم) العرب، قد أبصر الأمر، وعرفه على نفسه، ورجع إلى ما عليه من السمع والطاعة، والطلب بدم خليفتكم. وكتب إلي بذلك كتاباً، وأمر بالكتاب فقرئ، وقد أمر بحمل الطعام إليكم، فادعوا الله لقيس بن سعد، وارفعوا أيديكم، وابتهلوا له في الدعاء بالبقاء والصلاح. فعجّوا وعجّ معاوية وعمرو! ورفعوا أيديهم ساعة، ثم افترقوا، فأخذ معاوية بيد عمروبن العاص، فقال: تحين خروج العيون اليوم إلى علي (ع) ، يسير الخبر إليه سبعاً أو ثمانياً فيكون أول من يعزل قيس بن سعد، فكل من ولي يكون أهون علينا من قيس، فتحينوا خبر علي، فلما ورد الخبر كان أول من حمله إليه محمد بن أبي بكر، فأخبره بما صنع، ورفده الأشتر، ونالا من قيس، وقالا: ألا استعملت رجلاً له حق، فجعل علي لا يقبل هذا القول على قيس بن سعد، ويقول (ع) : «إنّ قيساً في سر (في سر قومه، أي في أفضلهم. . .) وشرف في جاهلية وإسلام، وقيس رجل العرب. فيأبى محمد بن أبي بكر أن يقصر عنه، فعزله علي (ع) . 1والمكيدة كما تذكر عن الزهري في تاريخ الطبري أنه قال: كانت مصر من حين علي (ع) ، عليها قيس بن سعد بن عبادة، وكان صاحب راية رسول الله (ص) وكان من ذوي الرأي والبأس، وكان معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص جاهدين على أن يخرجاه من مصر ليغلبا عليها، فكان قد امتنع فيها بالدهاء والمكايدة، فلم يقدرا عليه، ولا على أن يفتتحا مصر، حتى كاد معاوية قيس بن سعد من قبل علي، وكان معاوية يحدث رجالاً من ذوي الرأي من قريش يقول: ما ابتدعت مكايدةً قط كانت أعجب عندي من مكايدة كدت بها قيساً من قبل علي وهو بالعراق حين امتنع مني قيس.
قلت لأهل الشام: لا تسبّوا قيس بن سعد، ولا تدعوا إلى غزوه، فإنه لنا شيعة، يأتينا كيس نصيحته سراً، ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل خربتا، يجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم، ويؤمن