165الرابع: أنه لما كان قوله: وَالْعُمْرَةُ للهِ معناه: والعمرة عبادة الله. وجب أن يكون العمرة مأموراً بها لقوله تعالى: وَ ما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ والأمر للوجوب , وحينئذ يحصل المقصود. (25)
أما القرطبي فقال:
الرابعة: في هذه الآية دليل على وجوب العمرة؛ لأنه تعالى أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج. قال الصبي بن معبد: أتيت عمر رضي الله عنه فقلت: إني كنت نصرانياً فأسلمت , وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبتين عليّ , وإني أهللت بهما جميعاً , فقال له عمر: هديت لسنة نبيك. قال ابن المنذر: ولم ينكر عليه قوله: « وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي» , وبوجوبهما قال علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس , وروى الدارقطني عن ابن جريج قال: أخبرني نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع ذلك سبيلاً, فمن زاد بعدها شيئاً فهو خير وتطوع. قال: ولم أسمعه يقول في أهل مكة شيئاً. قال ابن جريج: وأخبرت عن عكرمة أن ابن عباس قال: العمرة واجبة كوجوب الحج من استطاع إليه سبيلاً ,
وممن ذهب إلى وجوبها من التابعين عطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي وسعيد بن جبير وأبو بردة ومسروق وعبد الله بن شداد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وابن الجهم من المالكيين.
وقال الثوري: سمعنا أنها واجبة , وسئل زيد بن ثابت عن العمرة قبل الحج , فقال: صلاتان لا يضرك بأيهما بدأت , ذكره الدارقطني , وروي مرفوعاً عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله (ص) : «إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت» وكان مالك يقول: العمرة سنة ولا نعلم أحداً أرخص في تركها , وهو قول النخعي وأصحاب الرأي فيما حكى ابن المنذر , وحكى بعض القزوينيين والبغداديين عن أبي حنيفة أنه كان يوجبها كالحج , وبأنها سنة ثابتة , قال ابن مسعود وجابر بن عبد الله.
روى الدارقطني حدثنا محمد بن القاسم بن زكريا حدثنا محمد بن العلاء أبو كريب، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: سأل رجل رسول الله (ص) عن الصلاة والزكاة والحج: أواجب هو؟ قال: ( نعم) فسأله عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: ( لا وأن تعتمر خير لك) .
رواه يحيى بن أيوب عن حجاج وابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر موقوفاً من قول جابر، فهذه حجة من لم يوجبها من السنة.
قالوا: وأما الآية فلا حجة فيها للوجوب؛ لأن الله سبحانه إنما قرنها في وجوب الإتمام لا في الابتداء , فإنه ابتدأ الصلاة والزكاة فقال: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ (26) , وابتدأ بإيجاب الحج فقال: وَ لِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ (27) ولما ذكر العمرة أمر بإتمامها لا بابتدائها , فلو حج عشر حجج , أو اعتمر عشر عمر لزم الإتمام في جميعها , فإنما جاءت الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام الابتداء, والله أعلم.
واحتج المخالف من جهة النظر على وجوبها بأن قال: عماد الحج الوقوف بعرفة , وليس في العمرة وقوف , فلو كانت كسنّة الحج لوجب أن تساويه في أفعاله , كما أن سنّة الصلاة تساوي فريضتها في أفعالها.
أما الطبري، فيخلص بعد سرده الطويل للأدلة والروايات التي ساقها حول الآية إلى قوله التالي:
وبما استشهدنا من الأدلة، فإن أولى القراءتين بالصواب في «العمرة» قراءةُ من قرأها نصباً.
وأنّ أولى التأويلين في قوله: وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلهِ تأويلُ ابن عباس الذي ذكرنا عنه من رواية علي بن أبي طلحة عنه من أنه أمرٌ من الله بإتمام أعمالهما بعد الدُّخول فيهما وإيجابهما على ما أمِر به من حدودهما وسنَنِهما.