134ونقل الأطرف أيضاً محاورة جرت بين رسول الله (ص) والإمام علي بن أبي طالب (ع) قائلاً له: «يا رسول الله! أمنّا الهداة أم من غيرنا؟ قال: لا بل منّا، بنا يختم الدين كما افتتح، بنا يستنقذ من الضلالة! بنا يجمع الله بين قلوبهم بعد عداوة، كما بنا جمع بينهم بعد عداوة الشرك. قال علي: يا رسول الله! فمن بقي أمؤمنون أم كافرون؟ قال: مفتون وكافر» (108) .
تلك هي الأحاديث التي نقلتها المصادر المتقدمة بطريق عمر الأطرف، والتي أظهرت مدى الاهتمام والتركيز على رواية أحاديث الفضائل والمناقب التي خصّ بها الإمام علي وأهل البيت (عليهم السلام) .
ثانياً: السيرة النبوية: حفلت الروايات التي تجمعت لدينا من طريق عمر الأطرف، بجوانب متعددة ومتنوعة من حياة الرسول الأعظم محمد (ص) ، وإن كان بعض من هذه الروايات، مما يقف بالضد من روايات أخر خالفتها في مضمونها وتفاصيلها، ولاسيما تلك التي تختلف بها وجهات النظر، وتتدخل فيها المذاهب الفكرية والعقائدية، إذ أظهرت تلك الروايات التي حدّث بها ورواها عمر الأطرف، الجوانب التي اهتم بها من أخبار السيرة، وما أراد التركيز عليه منها، وهذا مما سيعطينا إيضاحاً لإسهام هذه الشخصية وموقعها في رواية أخبار السيرة، من بين بقية الرواة لها من معاصريه، إذا ماعلمنا، إن مصدره في هذه الأخبار لم يكن سوى والده الإمام علي (ع) ، وهذا مما يعطي أخباره مصداقية قد لا تتوفر عند غيره من الناقلين والرواة لأخبار السيرة من غير أهل البيت (عليهم السلام) ، بكون مثل هذه الروايات من الأهمية بمكان؛ أن صاحبها يروي عن شاهد عيان؛ عاصر حوادث عصر الرسالة منذ أيامها الأولى، وحتى التحاق النبي محمد (ص) بالرفيق الأعلى.
شملت روايات السيرة من طريق عمر الأطرف محاور عدة، ولكنها لم تكن على نسق متصل بجميع مراحل الحياة التي عاشها النبي الكريم محمد (ص) ؛ بل كانت رواياته متنقلة بين حوادث السيرة المختلفة سواء اليومية منها أم المعنوية من صفاته وخصائصه وشمائله وصفاته، مع التركيز في معظم تلك الحوادث على الحقبة المدنية من عصر الرسالة، إذ لم نجد في ثنايا تلك الروايات التي نقلها عمر تركيزاً واضحاً للحقبة المكية من هذا العصر، إذ يبين العرض الآتي لمجمل الروايات حقيقة هذه النتيجة، وحتى هذه الحوادث التي ذكرها لم تكن جميعها معروضة بتفصيل مسهب، بل كان بعضها يشتمل على شذرات بسيطة عن الحادثة التي يتناولها بالذكر، فضلاً عن ذلك فإن مجمل الروايات التي ذكرها عن سيرة الرسول (ص) قد اشتركت - إن لم نقل كلها فجلّها - بخصيصة واحدة، وهي: التركيز على ما كان من دور للإمام علي (ع) في تلك الحادثة، وهذه نتيجة سنلحظها في العرض الآتي لحوادث السيرة التي ينتهي طريق روايتها إلى عمر الأطرف، والتي اشتملت على الجوانب الآتية:
أ - بناء الكعبة قبيل الإسلام:
تحدثت مصادر السيرة عن حادثة بناء قريش للكعبة قبيل الإسلام بعد أن دهمها سيل شديد تصدعت من جراء ذلك أركانها، وما كان في هذه الحادثة من دور مبرز لرسول الله (ص) في هذا البناء الذي حصل قبل خمس سنوات من البعثة المباركة (109) .
جاءت روايتان من طريق عمر الأطرف عن أخبار هذه الحادثة: الأولى تمثل حديثاً لرسول (ص) يخبر فيه عن دوره في هذا البناء بما أخبر به الإمام علي (ع) ، إذ قال (ع) : «قال رسول الله: أنا وضعت الركن بيدي يوم اختلفت قريش في وضعه (110)» .
أما الثانية فكانت رواية سمعها الأطرف من والده الإمام علي (ع) ، حول ماجرى على الكعبة من الحوادث، إذ قال (ع) : «لما احترقت الكعبة في الجاهلية هدمتها قريش لتبنيها فكشف عن ركن من أركانها من الأساس فإذا حجر فيه مكتوب أنا يعفر بن عبد قرا أقرأ على ربي السلام من رأس ثلاثة آلاف سنة» (111) .