135والملاحظ على هذه الرواية إنها من الانفرادات التي انفرد عمر الأطرف بروايتها من بين باقي الرواة، إذ لم نجد لهذه الرواية طريقاً آخر - في باقي المصادر الإسلامية الأخرى - غير الطريق الذي تنتهي سلسلة إسناده إلى الأطرف.
ب - مباهلة نصارى نجران:
كانت هذه الحادثة التي حدثت في سنة (10ه-) (112) من الحوادث المشهورة في عصر الرسالة حتى نزلت فيها آية المباهلة: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (113) .
عرض المفسرون ومؤرخو السيرة تفاصيل هذه الحادثة بتباينٍ ظاهر، وذلك من حيث سرد تفاصيل هذه الحادثة ومجرياتها، إذ اكتفت بعض المصادر بذكر الحادثة، دون التطرق إلى الخصيصة التي خص بها الرسول (ص) فيها أهل بيته من علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) ، في تقديمهم معه للمباهلة (114) ، ولكن مصادر أخرى أوردت ذلك بسند ينتهي طريقه إلى عمر الأطرف وغيره، إذ انفرد أبو الفرج الأصفهاني (385ه-) برواية حادثة المباهلة من طريق عمر الأطرف، وذلك بتفصيل قلما نجده عند آخر، إذ قال: «قدم وفد نصارى نجران وفيهم الأسقف، والعاقب وأبو حبشٍ، والسيد، وقيس، وعبد المسيح، وابن عبد المسيح الحارث وهو غلام، فلما صلى النبي (ص) الصبح، قاموا فكبروا بين يديه، ثم تقدمهم الأسقف فقال: يا أبا القاسم، موسى من أبوه؟ قال: عمران. قال: فيوسف من أبوه؟ قال: يعقوب. قال: فأنت من أبوك؟ قال: أبي، عبد الله بن عبد المطلب. قال: فعيسى من أبوه؟ فسكت رسول الله (ص) ، فانقض عليه جبريل (ع) فقال: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ فتلاها رسول الله (ص) ؛ فنزا الأسقف ثم دير به مغشياً عليه، ثم رفع رأسه إلى النبي (ص) فقال له: أتزعم أن الله جل وعلا أوحى إليك أن عيسى خلق من تراب! ما نجد هذا فيما أوحي إليك، ولا نجده فيما أوحي إلينا؛ ولا تجده اليهود فيما أوحي إليهم. فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ .
فقال له النصراني: أنصفتنا يا أبا القاسم، فمتى نباهلك؟ فقال: بالغداة إن شاء الله تعالى.
وانصرف النصارى، وانصرفت اليهود وهي تقول: والله ما نبالي أيهما أهلك الله الحنيفية أو النصرانية. فلما صارت النصارى إلى بيوتها قالوا: والله إنكم لتعلمون أنه نبي، ولئن باهلناه إنا لنخشى أن نهلك، ولكن استقيلوه لعلّه يقيلنا. وغدا النبي (ص) من الصبح وغدا معه بعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم. فلما صلى الصبح، انصرف فاستقبل الناس بوجهه، ثم برك باركاً، وجاء بعلي فأقامه بين يديه، وجاء بفاطمة فأقامها بين كتفيه، وجاء بحسنٍ فأقامه عن يمينه، وجاء بحسينٍ فأقام عن يساره.
فأقبلوا يستترون بالخشب والمسجد فرقاً أن يبدأهم بالمباهلة إذا رآهم، حتى بركوا بين يديه، ثم صاحوا: يا أبا القاسم! أقلنا أقالك الله عثرتك. فقال النبي (ص) : نعم قال: ولم يسأل النبي (ص) شيئاً قط إلا أعطاه فقال: قد أقلتكم فولوا. فلما ولوا قال النبي (ص) : «أما والذي بعثني بالحق لو باهلتهم ما بقي على وجه الأرض نصراني ولا نصرانية إلا أهلكهم الله تعالى» (115) .
كانت هذه الرواية - وبهذه الصيغة - التي جاءت بطريق عمر الأطرف، قد رويت بطرق أخرى في أحد المصادر (116) ولكن هذا الطريق هو محل الشاهد، إذ إن رواية عمر لحادثة المباهلة هذه؛ ليعطينا صورة مضافة لطبيعة الحوادث التي أشاعها من أخبار السيرة النبوية.
ج - معركة بدر:
خص الأطرف أحداث هذه المعركة المهمة بتاريخ المسلمين - والتي حدثت في السنة الثانية للهجرة - بجانب من رواياته التي رواها في حوادث السيرة، إذ وجدناه يسلّط الضوء على ما سمعه من أبيه الإمام علي (ع) ، وهو يصف خلجات