116وثانيها: قال بعض المفسرين: إن منهم من كان يتعجل، ومنهم من كان يتأخر، ثم كل واحد من الفريقين يعيب على الآخر فعله، كان المتأخر يرى أن التعجل مخالفة لسنّة الحج، وكان المتعجل يرى أن التأخر مخالفة لسنّة الحج، فبين الله تعالى أنه لا عيب في واحد من القسمين ولا إثم، فإن شاء تعجل وإن شاء لم يتعجل.
وثالثها: أن المعنى في إزالة الإثم عن المتأخر إنما هو لمن زاد على مقام الثلاث، فكأنه قيل: إن أيام منى التي ينبغي المقام بها هي ثلاث، فمن نقص عنها فتعجل في اليوم الثاني منها فلا إثم عليه، ومن زاد عليها فتأخر عن الثالث إلى الرابع فلم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه.
ورابعها: أن هذا الكلام إنما ذكر مبالغة في بيان أن الحج سبب لزوال الذنوب وتكفير الآثام، وهذا مثل أن الإنسان إذا تناول الترياق، فالطبيب يقول له: الآن إن تناولت السم فلا ضرر، وإن لم تتناول فلا ضرر، مقصوده من هذا بيان أن الترياق دواء كامل في دفع المضار، لا بيان أن تناول السم وعدم تناوله يجريان مجرى واحد، فكذا ههنا المقصود من هذا الكلام بيان المبالغة في كون الحج مكفراً لكل الذنوب، لا بيان أن التعجل وتركه سيان، ومما يدل على كون الحج سبباً قوياً في تكفير الذنوب قوله عليه الصلاة والسلام: «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» .
وخامسها: أن كثيراً من العلماء قالوا: الجوار مكروه، لأنه إذا جاور الحرم والبيت سقط وقعه عن عينه، وإذا كان غائباً إزداد شوقه إليه، وإذا كان كذلك احتمل أن يخطر ببال أحدنا على هذا المعنى أن من تعجل في يومين فحاله أفضل ممن لم يتعجل، وأيضاً من تعجل في يومين فقد انصرف إلى مكة لطواف الزيارة وترك المقام بمنى، ومن لم يتعجل فقد اختار المقام بمنى وترك الإستعجال في الطواف فهذا السبب يبقى في الخاطر تردد في أن المتعجل أفضل أم المتأخر؟ فبين الله تعالى أنه لا إثم ولا حرج في واحد منهما.
وسادسها: قال الواحدي رحمه الله تعالى: إنما قال: وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لتكون اللفظة الأولى موافقة للثانية، كقوله: وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها (28) وقوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ (29) ونحن نعلم أن جزاء السيئة والعدوان ليس بسيئة ولا بعدوان، فإذا حمل على موافقة اللفظ ما لا يصح في المعنى، فلأن يحمل على موافقة اللفظ ما يصح في المعنى أولى، لأن المبرور المأجور يصح في المعنى نفي الإثم عنه.
السؤال الثالث: هل في الآية دلالة على وجوب الإقامة بمنى بعد الإفاضة من المزدلفة؟ .
الجواب: نعم، كما كان في قوله: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ (30) دليل على وقوفهم بها.
ثم يواصل الرازي كلامه قائلاً: واعلم أن الفقهاء قالوا: إنما يجوز التعجل في اليومين لمن تعجل قبل غروب الشمس من اليومين، فأما إذا غابت الشمس من اليوم الثاني قبل النفر فليس له أن ينفر إلا في اليوم الثالث؛ لأن الشمس إذا غابت فقد ذهب اليوم، وإنما جعل له التعجل في اليومين لا في الثالث، هذا مذهب الشافعي، وقول كثير من فقهاء التابعين، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يجوز له أن ينفر ما لم يطلع الفجر لأنه لم يدخل وقت الرمي بعد.
وفي قوله تعالى: لِمَن اتَّقى يقول الرازي: ففيه وجوه:
أحدها: أن الحاج يرجع مغفوراً له بشرط أن يتقي الله فيما بقي من عمره ولم يرتكب ما يستوجب به العذاب، ومعناه التحذير من الاتكال على ما سلف من أعمال الحج، فبيّن تعالى أن عليهم مع ذلك ملازمة التقوى ومجانبة الاغترار بالحج السابق.
وثانيها: أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقياً قبل حجه، كما قال تعالى: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (31) ، وحقيقته أن المصرّ على الذنب لاينفعه حجه وإن كان قد أدى الفرض في الظاهر.