117وثالثها: أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقياً عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحج، كما روي في الخبر من قوله عليه الصلاة والسلام: «من حج فلم يرفث ولم يفسق. . .» .
واعلم أن الوجه الأول من هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى اعتباره في الحال. والتحقيق أنه لا بد من الكل وقال بعض المفسرين المراد بقوله: لِمَن اتَّقى ما يلزمه التوقي في الحج عنه من قتل الصيد وغيره، لأنه إذا لم يجتنب ذلك صار مأثوماً، وربما صار عمله محبطاً، وهذا ضعيف من وجهين:
الأول: أنه تقييد للفظ المطلق بغير دليل.
الثاني: أن هذا لا يصح إلا إذا حمل على ما قبل هذه الأيام، لأنه في يوم النحر إذا رمى وطاف وحلق، فقد تحلّل قبل رمي الجمار، فلا يلزمه اتقاء الصيد إلا في الحرم، لكن ذاك ليس للإحرام، لكن اللفظ مشعر بأن هذا الاتقاء معتبر في هذه الأيام، فسقط هذا الوجه.
ويقول الفيروز آبادي (817 ه) :
فَمَن تَعَجَّلَ برجوعه إلى أهله فِى يَوْمَيْنِ بعد يوم النحر فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بتعجيله وَمَن تَأَخَّرَ إلى اليوم الثالث فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بتأخيره ويقال فلا عتب عليه بتأخيره يخرج مغفوراً له لِمَنِ تَّقَى يقول: التعجيل لمن اتقى الصيد إلى اليوم الثالث وَتَّقُواْ للهَ واخشوا الله في أخذ الصيد إلى اليوم الثالث وَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ بعد الموت. (32)
هذا ويقول محمد بن أبي بكر الرازي في مسائله:
كيف قال: فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ومعلوم أن المتعجل التارك بعض الرمي إذا لم يكن عليه إثم لا يكون على المتأخر الآتي بالرمي كاملاً؟
يقول الرازي في إجابته عن هذا السؤال الذي طرحه:
كان أهل الجاهلية فريقين: منهم من جعل المتعجل آثماً، ومنهم من جعل المتأخر آثماً، فأخبر الله تعالى بنفي الإثم عنهما جميعاً، أو معناه لا إثم على المتأخر في تركه الأخذ بالرخصة مع أن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، أو معناه أن انتفاء الإثم عنهما موقوف على التقوى لا على مجرد الرخصة في الرمي، ثم قيل: المراد به تقوى المعاصي في الحج، وقيل: تقوى المعاصي بعد الحج في بقية العمر بالوفاء بما عاهد الله تعالى عليه بعرفة وغيرها من مواقف الحج من التوبة والإنابة. . .
ابن عطية: وقوله تعالى: فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ، قال ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد: المعنى من نفر في اليوم الثاني من الأيام المعدودات فلا حرج عليه، ومن تأخر إلى الثالث فلا حرج عليه، فمعنى الآية: كل ذلك مباح، وعبر عنه بهذا التقسيم اهتماماً وتأكيداً إذ كان من العرب من يذم المتعجل وبالعكس، فنزلت الآية رافعة للجناح في كل ذلك، ومن العلماء من رأى أن التعجل إنما أبيح لمن بَعُدَ قطره لا للمكي والقريب، إلا أن يكون له عذر، قاله مالك وغيره، ومنهم من رأى أن الناس كلهم مباح لهم ذلك، قاله عطاء وغيره.
وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وإبراهيم: معنى الآية من تعجل فقد غفر له ومن تأخر فقد غفر له، واحتجوا بقوله (ع) : «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه» ، فقوله تعالى: فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ نفي عام وتبرئة مطلقة، وقال مجاهد أيضاً: معنى الآية من تعجل أو تأخر فلا إثم عليه إلى العام القابل، وأسند في هذا القول أثر.
وقال أبو العالية: المعنى في الآية لا إثم عليه لمن اتقى بقية عمره، والحاج مغفور له البتة.