179للأمر الأوّل، وهو حسن التصرّف في المال، وهنا الأمر كذلك، يكون التذكّر مقدّمةً لتحقيق الاعتصام بالحبل الإلهي وعدم التفرّق، فالجملة خبرية الروح عن واقعهم التاريخي، إنشائية الصياغة من حيث إرادتها الحفاظ على هذه النعمة.
ويمكن تعزيز هذا المبدأ بآية قرآنية أخرى ذات صلة، وهي قوله تعالى: وَ الَّذِينَ جٰاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنٰا وَ لِإِخْوٰانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونٰا بِالْإِيمٰانِ وَ لاٰ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنٰا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنٰا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ 1، فإنّ رفع الغلّ - وهو الحقد والضغينة والعداوة - درجة من الدرجات الأولى لبلورة الألفة والمحبة، بل هذا الدعاء بنفسه تعبير عن محبة وعطف وصدق مع المؤمنين، ولعلّه لذلك ختمت الآية بأوصاف الرأفة والرحمة في الباري تعالى شأنه.
وهذا ما يجعلنا نطلّ على الآية الثالثة من آيات هذا المبدأ، تلك الآية التي تشيّد مبدأ الرحمة الإيمانية، فالمؤمنون فيما بينهم رحماء تحكم علاقاتهم الرحمة وليس المصالح، فهم يخافون على بعضهم ويشفقون على رجالهم ونسائهم، ويتحنّنون على بعضهم، فهذا هو معنى الرحمة التي تذكرها الآية، وهي تستدعي مساعدة بعضهم بعضاً في الشدائد، والوقوف إلى جانب بعضهم 2، وتبدو هذه الرحمة بمظهر المذلّة أمام المؤمن والتواضع وخفض الجناح معه لا التكبّر والتعالي؛ قال تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكٰافِرِينَ 3، فإنّ الآيتين تتشابهان في التعبير والتركيب والغاية، وتتقاربان في الفكرة والمضمون.
والعنصر البلاغي في تعبير الآية أنّها جعلت الرحمة في مقابل الشدّة مع أنّ الشدة لا تقابلها الرحمة، وهذا ناتجٌ