178حيث إن الإسلام بتوحيده القلوب ونشر ثقافة الأخوّة قد ألقى نعمةً إلهيةً على الناس، وهذه النعمة سواء جعلناها الإسلام أم محمداً أم القرآن أم أيّ شيء آخر.. فهي في نهاية المطاف ترجع إلى الدين الذي هو الظاهرة التي استجدّت في الحياة العربية آنذاك، بحيث يتصوّر نسبة التوالف المستجدّ - بقرينة قوله: فَأَصْبَحْتُمْ - إليها.
والآية أيضاً واضحة في أنّ التأليف كان مقدّمةً للأخوة، وهذا معناه أنّ الأخوة لا تعني مجرّد العلاقات الطيبة أو المصالح المشتركة على أساس قبلي أو وطني أو قومي أو عشائري أو حتى ديني.. تصاحبها حالات تنافر قلبي في واقع الأمر لو خلّي كلّ فريق ونفسه، كما هي حال أمّتنا اليوم في غير موقع، بل تنتج من عملية توليف القلوب في مرحلة أولى؛ ليعقبها تحقّق مفهوم الأخوة، فكأن التلازم السببي أو تلازم السابق مع اللاحق كان شديداً حتى عبّرت الآية ب- فَأَصْبَحْتُمْ مستخدمةً الفاء الدالّة على العطف بلا تراخي.
وبتحليل صيغة الأمر في مطلع النص وَ اذْكُرُوا نفهم أنّ تذكّر هذه النعمة واجبٌ شرعي، بيد أنّه ليس مأخوذاً على نحو الموضوعية المستقلّة، بمعنى أنّ التذكّر هنا لا يهدف منه مجرّد التذكّر، وإنّما استشعار المنّة الإلهية؛ لأنّ الآية وردت في سياق الامتنان الذي أعقب طلب الوحدة وعدم الفرقة، وهذا معناه أن هذا التذكر لتحوّل حالهم من التمزّق إلى التوافق إنّما يراد منه السعي دوماً لإبقائه ضمن المناخ الإسلامي، فعندما تقول لشخص: أحسن التصرّف في مالك؛ وتعلل له ذلك بقولك: وتذكّر كيف كنت فقيراً فأعطيناك المال؛ فهذا معناه أنّ التذكّر هنا أخذ لكي يكون مقدّمةً