177سيما بقرينة ضمّها إلى الآية الثانية، وما دام عموم المؤمنين يشمل الأنصار والمهاجرين و.. فقد كانت بينهم عداوات كبيرة جداً لا تخفى على أيّ مطلع على تاريخ العرب الجاهليين، لكنّ الله - مع ذلك - صيّرهم قلباً واحداً بنعمة الإيمان؛ والملفت أنّ الآية الأولى استخفّت بالدور المادي في توليف القلوب في حين أعطت القدرة للدور المعنوي وهو الدين، فإذا كانت كلّ أموال الدنيا لا تستطيع أن تؤلّف القلوب؛ فذلك لأنّ عملية التأليف القلبي لا تقف عند حدود العلاقة الطيبة أو التحالف السياسي أو الاشتراك في المصالح، بل تتعدّاه إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو أمر لا يمكن للعامل المادي عادةً أن يفعله؛ لهذا ركّزت الآية على أنّ الدين قادر على عملية التوحيد والتوليف أكثر من قدرة العناصر المادية على ذلك، وهذه نقطة مهمة؛ بل يمكن أن نضيف ما ذكره الفخر الرازي (606ه) في تفسيره من أنّ سبب عداوة العرب لبعضهم كان المال والمصالح المادية فألّف الإسلام بين قلوبهم لجعله القيم المعنوية هي المعايير في الحياة، ثم لمّا عادت هذه المصالح إلى المسلمين بعد وفاة النبي عادوا للتصارع مرّةً جديدة 1، وهو ما تشير إليه التحليلات العرفانية لابن عربي (638ه) في تفسيره أيضاً 2.
ولعلّ وقوع جملة تأليف القلوب بالإسلام في سياق الآيات الحاثة والمتحدّثة عن نصر النبي وتقويته قبل هذه الآية (الأولى) وبعدها، فيه إشارة إلى الدور الذي يلعبه تأليف القلوب الإسلامية بالإسلام في تحقيق العزّة والنصر والمنعة والقوّة.
ولا تفوتنا الإشارة إلى أنّ الآية الثانية ركّزت مرّتين على وصف النعمة، وهي إشارة دالّة ومعبرة، من