176وجود تحالف سياسي أو عسكري أو اقتصادي بينهم، بحيث يبدون في الظاهر متّحدين في مؤسّسات أو اتحادات أو منظمات أو.. فيما هم في قلوبهم وفيما إذا خلى بعضهم إلى بعض لا يضمرون لبعضهم سوى الحقد والضغينة، ويتمنى كلّ واحدٍٍ منهم أن يقضي على الآخر؛ فهذه هي السلبية عينها التي تعرّضت لها هذه الآية في وصف الكافرين؛ من هنا ركّز القرآن الكريم على مفهوم الألفة والمحبة.
ووفقاً لما قلناه، فإذا أردنا أن نسير مع هذا المبدأ القرآني، فلا نطالب داخل المجتمع الإسلامي بتحالفات أو اتفاقات أو تفاهم أو عقود أو... وإنما بما هو أعمق من ذلك وبما هو سببٌ لهذه الأمور جميعها، ألا وهو التآلف القلبي الذي يدفع المسلم لحبّ أخيه المسلم، لا لكرهه أو الحقد عليه أو التشفي منه أو الانتقام أو البغض أو التربّص أو... فقط لأنّه مختلف معه في المذهب أو القوميّة أو العشيرة أو اللغة أو...
وفي تقديري، فمبدأ الألفة من أهمّ المبادىء القرآنية في علاقات المسلمين ببعضهم؛ ولست أدري ماذا سنجيب لو سُئلنا: ما دام القرآن يؤلّف - بنعمة الهداية - القلوبَ، فكيف صار الحقد والضغينة والكره أساساً اليوم في علاقات المسلمين ببعضهم؟! وكيف صارت نعمة التوالف والتآلف سبباً لنقمة التباغض والتعادي؟!
وقد نزلت الآيتان أو طبّقتا تطبيقاً بارزاً - على ما في بعض التفاسير 1 - في الأوس والخزرج، بل قيل: إنّه مذهب أكثر المفسرين 2، لكنّهما لا تقفان عندهم - كما هو واضح - لعدم وجود خصوصية في الرسالة التي تريد الآيتان أن تعطيها، ما دامت العلّة واحدة وهي الإسلام بحسب معطى الآية الأولى نفسها