52وتقديم عالم الأرواح على عالم الأجسام أظهر وأبين من أن يحتاج إلى بيان وبرهان ، وسيّما قد شهد به الخبر والقرآن ، فإن النّبي صلى الله عليه و آله قال :
«خلق اللّٰه تعالى الأرواح قبل الأجساد بألفي عام» ، والقرآن قد نطق بأنّ الأرواح قبل الأجسام في مواضع شتى ، منها قوله : «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ » 1الآية ، وقوله : «ثُمَّ أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبٰارَكَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِينَ » 2 ، وثمّ لا يكون إلّا للتراخي .
«وكان زبدة بيضاء على وجه الماء» ، إشارة إلى صفاء النفس الكلية ولطافتها بالنسبة الى الروحانيات الأخر التي كانت تحتها المشار إليها بالماء ، لأن كل ما هو أعلى من الروحانيات فهو ألطف ، وكذلك من الجسمانيات أيضاً .
قوله : «فدحيت الأرض تحته» يكون إشارة إلى إيجاد عالم الأجسام بعدها ، أي بعد الأرواح ، لأنّ عالم الأجسام وجد بعد عالم الأرواح بمدة مديدة ، وفيه قيل :
إن عالم الأمر والأرواح هو الذي لا يحتاج إلى مدة ومادة ، وعالم الخلق والأجسام هو الذي يحتاج إلى مادة ومدة ، هذا تأويل الخبر .
وأما تأويل الآية على سبيل البسط فيطول ويخرج المبحث من المقصود ، وأما على سبيل الاختصار فاعلم :
أن في قوله تعالى : «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبٰارَكاً وَ هُدىً لِلْعٰالَمِينَ فِيهِ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ مَقٰامُ إِبْرٰاهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ » 3 .
«أَوَّلَ بَيْتٍ » إشارة إلى البيت المذكور الذي هو النفس الكلية ومظهرها الذي هو الفلك الثامن .