226ويهز المشاعر هزّاً إلى أرض الحجاز ، وإلى الكعبة قبلة المسلمين ، وإلى تلك المناسك التي تفصح عن سرّها ، وتبين عن شريف حكمها ، فإذا وقف الحجيج في عرفات ، هاتفين لبيك لبيك - وقد حسروا الرءوس واطّرحوا زينة هذه الحياة الدنيا - فكأنهم في يوم المحشر وقد زاغت الأبصار فلن ترى إلا خاشعًا يتبتل ، وباكيًا يتوسل ، ومذنبًا يتوب ، ونفسًا تذوب ، وتشعر آنئذ أن الروح الأمين والملائكة المقربين تطل على هذه الجموع من عل ، معجبة بتقواها ، مشاركة في دعواها ، مقرة بقصور علمها عن مغزى الإرادة الصمدانية :
«سُبْحٰانَكَ لاٰ عِلْمَ لَنٰا إِلاّٰ مٰا عَلَّمْتَنٰا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ » .
يؤلف بين المسلمين ويجمع كلمتهم ، ويلفتهم إلى أن القوة في اتحاد الكلمة ، وطرح تلك الزخارف الفاتنة والرجوع إلى طهارة الدين ، فإذا كانوا يريدون الخير فهذا طريقه مُعبّد وما عليهم لو خرج أغنياؤهم ومتوسطوهم عن قليل من المال في سبيل هذه الفريضة وشهود الجماعة ، فيؤدون واجبًا للّٰهفي إقامة أحد الأركان ، وواجب الأخوة الإسلامية في توثيق روابطها ، وواجب الإنسانية في برّ جماعات انقطعوا لجيرة اللّٰه ، وحُرموا كثيرًا من وسائل الحياة ، ثم شاهدوا آثارًا حافلة بشتى الذكريات تحدث عمن غبر حديثًا عجبًا يهدي إلى الرشد ، ويحفز إلى كل فضيلة وكمال ، وما تقهقر المسلمون إلا حين تراخت العرى بين ماضيهم وحاضرهم ، فزلزلتهم أطماع الدول ، وتنكّرت لهم مباسم الكون وخشنت مناعم الزمان ، وضرب الدهر ضربته في ذلك البنيان المرصوص حتى كاد اليأس يعصر عود الأمل ، ويصبح أبناء الإسلام في ليل من الشك مظلم . نعم في تلك البقاع الطاهرة تتحلى النفس بالقوة ، وتتجلى الشمائل المرجوة ، وتحسس إلى النفس معاني الشرف والإباء والمفاخرة ، تدفع بها دفعًا لا شعوريًّا إلى الاستهانة بالخطوب .
إن هذه المناسك التي يؤديها الحاج لتكشف عن نواحي العظمة في هذا الدين ،